أثار الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة جدلا حادا في الأوساط السياسية بين مؤيد ومعارض لترشيحه لانتخابات الرئاسة. وحالت حالة الاستقطاب هذه دون نجاح مبادرة دعت لها جبهة التغيير للاتفاق على "مرشح توافقي"، وهنا حوار مع رئيس الجبهة عبد المجيد مناصرة.

عبد المجيد مناصرة رئيس جبهة التغيير يعلن موقف حزبه من الانتخابات الرئاسية في مؤتمر صحفي (الجزيرة)

حاورته أميمة أحمد-الجزائر

تشهد الساحة السياسية في الجزائر جدلا حادا حول الانتخابات الرئاسية المزمعة في 17 أبريل/نيسان القادم، ويخوض غمارها ستة مرشحين، بينهم الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة لعهدة الرابعة.

وقد أثار الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة جدلا حادا في الأوساط السياسية بين مؤيد ومعارض لترشيحه. وحالت حالة الاستقطاب هذه دون نجاح مبادرة التوافق الديمقراطي، للاتفاق على "مرشح توافقي" كانت جبهة التغيير دعت إليها قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية.

الانتخابات الرئاسية والحركات الإسلامية يتناوله حوار الجزيرة نت مع رئيس جبهة التغيير عبد المجيد مناصرة. وهذا نص الحوار:

قاطعت أغلب الأحزاب الإسلامية الانتخابات الرئاسية المقبلة، ما جدوى مشاركتكم فيها بالتصويت الأبيض؟

لم يحدث أن توافقت الأحزاب الإسلامية في أي انتخابات على موقف واحد، وهذا تعدد وتنوع وليس تضادا أو تناقضا، وفي هذه الانتخابات حزبان إسلاميان يساندان علي بن فليس، وثلاثة أحزاب قاطعت، ونحن نشارك بالتصويت الأبيض، لأننا نتمسك بالمسار الانتخابي، ولكن نحتج على التزوير بالتصويت الأبيض وإبطال الأصوات بالعملية الانتخابية.

دستور 2008 فتح سقف العهدات الرئاسية، ويجيز للرئيس بوتفليقة الترشح لعهدة رابعة وخامسة، والمجلس الدستوري أقر استيفاءه لشروط الترشح، بما فيها الشهادة الصحية. لماذا تعارضون إذا العهدة الرابعة؟

الرئيس بوتفليقة يعين نصف أعضاء المجلس الدستوري، وبينهم رئيس المجلس، والحالة هذه من غير المتوقع أن يكون قرار المجلس مخالفا لإرادة الرئيس.

ونحن نعارض العهدة الرابعة لسببين، الأول أنها رابعة وهذا كثير، فتقييمنا للعهدتين الأولى والثانية للرئيس بوتفليقة أنها إيجابية عموما مع بعض الأخطاء والإخفاقات، لكن العهدة الثالثة لا تشفع له إطلاقا للترشح لعهدة رابعة، لأنه تهديد للديمقراطية، وتعد على إرادة الشعب في التغيير وحقه في اختيار الحكام.

والثاني أن وضعه الصحي لا يسمح له بممارسة أبسط مهامه البروتوكولية، فكيف بالمهام الأخرى؟ لذلك نحن نرى من غير المعقول أن ينتخب رئيس في هذا الوضع الصحي، هو الآن لا يستطيع أن يقود حملة انتخابية، ولا يتكلم في خطاب للشعب، فكيف سيقود البلاد لاحقا؟ نحن لسنا ضد شخص الرئيس بقدر ما نحب أن تنعم الجزائر بالحرية والديمقراطية.

دعوتكم "بالويل والثبور وعظائم الأمور" من الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي وصفتها "بالإفساد والتزير والتزييف" وتحذرون من خطر يتهدد الجزائر. أين يكمن الخطر؟

إذا أفسدت الانتخابات، فهذا يعني سد الأمل في وجوه الشعب الذي يعيش حالة قلق واحتقان وحراك، لذلك ممارسة أخرى للتزوير ستدفع الشعب للاحتجاج

إذا أفسدت الانتخابات، يعني سد الأمل في وجوه الشعب الذي يعيش حالة قلق واحتقان وحراك، لذلك ممارسة أخرى للتزوير ستدفع الشعب للاحتجاج، وقد تُفتح أبواب لا نتمنى أن تُفتح، لذلك نحن نحذر من التزوير كثيرا حتى لا تحدث ردود أفعال ضد استقرار الجزائر، وفي الوقت نفسه نقترح البدائل والحلول، حتى لا تجد الجزائر نفسها في ظرف صعب قد لا تستطيع الخروج منه بسهولة.

كلامنا موجه للعاقلين في السلطة، للعاقلين في الطبقة السياسية، للبحث عن هذه المخارج، لأن العهدة الرابعة كارثية على الجزائر.

ما البدائل؟

نقترح -إذا أفسدت الانتخابات- مرحلة انتقالية لا تتجاوز سنتين، تبدأ بحكومة وحدة وطنية، وإصلاح دستوري بصياغة توافقية، ثم الدخول في الانتخابات الرئاسية المسبقة، والتشريعية والمحلية المسبقة.

والرئيس الفائز في 17 أبريل ماذا يفعل؟

هناك الكثير من المخارج الدستورية، قد يستقيل أو قد تطبق في حقه المادة 88 من الدستور (تقضي بشغور المنصب).

أنت واثق أن الرئيس بوتفليقة هو الفائز بالانتخابات، وإن فاز غيره؟

إذا فاز غيره فمعنى ذلك الانتخابات نزيهة، ونطالب الرئيس الجديد أن يسير المرحلة القادمة بالإصلاحات السياسية، فنبقى في الإطار الانتخابي من خلال الانتخابات، لكن إذا أفسدت الانتخابات وزورت فسيكون الرئيس الحالي هو الرئيس القادم.

فلذلك نطالب الطبقة السياسية والسلطة باعتماد هذه الحلول حتى لا ندخل في كارثة أكبر من إفساد الانتخابات. والآن كل المؤشرات تدل على أن الدولة والحكومة والإدارة مصممة على حسم الانتخابات مسبقا بالإرادة السلطوية لعهدة رابعة.

صرحتم بأن المرشح علي بن فليس الأوفر حظا ليكون رئيسا توافقيا، بتصويتكم الأبيض، هل تراجعتم عن دعمه؟

نحن لم نتراجع عن دعم بن فليس، تشاورنا معه وجدنا توافقا كبيرا فيما طرحناه في المرشح التوافقي، لم نتفق على شيء، بل تشاورنا معه، وقرار مجلس الشورى ليس ضد علي بن فليس، إنما ضد الانتخابات المزورة، باعتبار أن التوافق مع علي بن فليس يكون العائق أمامه هو التزوير.

بمعنى التزوير سيفسد هذا التوافق ، لذلك فضلنا أن يكون موقفنا موقف احتجاج ضد هذا التزوير الذي بدأ، ليس العيب في بن فليس، وليس العيب فينا، ولذلك قلنا تصويتنا الأبيض ليس ضد بن فليس، وإنما ضد التزوير وضد العهدة الرابعة.

هذه أول انتخابات رئاسية يغيب عنها مرشح التيار الإسلامي، برأيكم هل وصل الوعي السياسي للاختيار بين البرامج وليس الإيديولوجية؟ رغم أن المرشح الإسلامي مع غيره كانوا "أرنب سبق" (منافسين غير حقيقيين لتسخين الانتخابات فقط) مع مرشح السلطة؟

بعد تراكم الممارسة الانتخابية أصبح بمقدور الشعب الجزائري التمييز بين البرامج وليس الإيديولوجيات، وفي الوقت نفسه يميز المواطن كفاءة المرشحين على الإدارة

طبعا بعد تراكم الممارسة الانتخابية أصبح بمقدور الشعب الجزائري التمييز بين البرامج وليس الأيديولوجيات، وفي الوقت نفسه يميز المواطن كفاءة المرشحين على الإدارة. لذلك لن يشارك جزء من الناخبين بالانتخابات احتجاجا على التزوير، وهناك من يشارك مثلنا ويحتج بالصوت الأبيض.

في الانتخابات الرئاسية عام 1995 لم يكن الشيخ محفوظ نحناح أرنب سبق، بل كان فائزا وزُورت الانتخابات، ورغم التزوير أخذ ربع الأصوات أي أكثر من ثلاثة ملايين صوت، تلك الانتخابات الرئاسية الوحيدة التي شاركنا فيها.

شارك عبد الله جاب الله في انتخابات 1999، وشارك جهيد يونسي في آخر انتخابات 2009 لم يأخذوا كثيرا، ترشحوا بقرار حزبهم، فالسلطة ترغب بوجود مرشح إسلامي، غاب هذه المرة وأعتقد لأن الإسلاميين يدركون أن الانتخابات مزورة، هذا العائق الذي أزهدهم بالترشح للانتخابات الرئاسية.

ما تفسيركم لظهور النعرات الجهوبة، والشاوية والقبائل مؤخرا بالجزائر؟

الشعب الجزائري ليس شعبا جهويا، شعب متماسك موحد، علمته ويلات الاستعمار كيف يتوحد ويدافع في ثورة شعبية شملت كل الشعب بالوطن لمواجهة الاستعمار، الذي لم يفرق بين ابن الشمال وابن الجنوب، وحاولت فرنسا أن تعطي الاستقلال للجنوب، ورفض أهل الجنوب أن يستقلوا إلا أن تستقل كل الجزائر.

لكن عجز السلطة عن استيعاب التطورات والمشكلات وفشلها في حل بعض الأزمات التي تحدث في هذه المدينة أو تلك، وسوء أدائها وقلة وعي ومسؤولية بعض مسؤوليها في التعبير هو الذي يثير هذه النعرات.

حتى ما قاله عبد المالك سلال ضد الشاوية فيه عنصرية مقيتة، كان رد الفعل وطنيا شعبيا، ونظمت مسيرة في باتنة رغم مضايقة الشرطة، تسلل المواطنون من كل مدن الجزائر ليشاركوا فيها ليعبروا عن أن الشعب الجزائري شعب واحد، ولا تحكمه هذه النعرات. لهذا نطالب بالتغيير، تغيير الحكومة.

هل تغيير الحكومة يغير النظام الجزائري كما يدعو الكثيرون؟

من الصعب تغيير كل النظام، تغيير كل النظام معناه قيام ثورة، من هذا الذي يملك زمام هذه الثورة؟ نحن نريد أن نغير وننتقل من نظام أحادي إلى نظام تعددي، من شرعية ثورية تاريخية إلى شرعية شعبية دستورية بالتدريج، ونخضع إلى صندوق الانتخابات ومن خلالها التغيير.

ما دور الجيش في هذا التغيير؟

يتغير دور الجيش تدريجيا في ظل نظام مدني، دوره وفق الصلاحيات الدستورية، لكن في مرحلة الانتقال سيكون له دور الحامي، الضامن والشريك في الحلول، يجب أن نصل إلى مرحلة ليس للجيش فيها دور سياسي، والجيش جمهوري، جيش الدولة مع أي رئيس ينتخبه الشعب.

حركة الإخون المسلمين أسسها حسن البنا عام 1928 بمصر، وانتشرت في 72 دولة عربية وإسلامية وغير إسلامية، لأول مرة تصنفها دول عربية بما فيها مصر بلد المنشأ "جماعة إرهابية". لماذا وصلت حركة الإخوان المسلمين الإصلاحية إلى هذه المآلات برأيكم وأنتم حركة إخوانية؟

المشترك في الحركة الإسلامية مدرسة العمل الشامل بالجوانب السياسية والتربوية والدعوية والاجتماعية، لكن ليست هناك تبعية تنظيمية بالمفهوم التنظيمي، نحن بالجزائر أضفنا لهذه المدرسة البعد الوطني، بحيث تركز هذه الحركات على الأولوية الوطنية، تستوطن البلد في برامجها واهتمامها، ولا يمنعها من التواصل في قوميتها وأمميتها.

كانت نصيحتنا للجميع، توافقوا قبل أن تستندوا إلى الأغلبية، واعتبروا الديمقراطية أولا قبل أن تحكم أنت، لأن الديمقراطية يستفيد منها الجميع بما فيهم أنت كحركة

تصنيف جماعة الإخوان المسلمين -للأسف- أنها "جماعة إرهابية" هذا تصنيف خاطئ جدا، ولا أساس له من الصحة، يمكن أن تُخطّئ جماعة الإخوان المسلمين في بعض القرارات والممارسات، لكن كيف تُعد "حركة إرهابية" وهي تنبذ العنف باستمرار؟

جماعة الإخوان هي ضحية استبداد وضحية انقلاب، ولا تمارس العنف، فعلا تُتهم بعض الأطراف بممارسة العنف تحت غطاء المعارضين للانقلاب، لكن لم يثبت القضاء حتى الآن تورط قيادة أو مناضلي الإخوان المسلمين في عمل إرهابي استهدف أرواح المصريين.

هناك خوف من هذه الحركات أن تصل إلى السلطة بإرادة الشعب مثلما حصل في انتخابات تونس ومصر، حيث أخطأت هذه الحركات باعتقادي، التي كان عليها أن تطمئن كل المكونات الأخرى حتى لو كانت أقلية، وتتوافق مع الجميع على الدستور وعلى مستقبل البلد، وتحضر لدولة عصرية، لأن هذه الدول خارجة من الاستبداد والفساد، يجب أن يكون البناء توافقيا، وليس بالأغلبية تفرض إرادتك على الآخرين، هذا يولد ردود أفعال سياسية.

كانت هذه نصيحتنا للجميع أن يتوافقوا قبل أن تستندوا إلى الأغلبية، واعتبروا الديمقراطية أولا قبل أن تحكم أنت، لأن الديمقراطية يستفيد منها الجميع بما فيهم أنت كحركة. وأعتقد أن حركة النهضة في تونس استوعبت هذا الدرس جيدا، وقدمت تنازلات كبيرة من أجل الاستقرار. أما أن تصف حركة انتخبها الشعب بـ"حركة إرهابية" فهذا لعب بمستقبل البلاد.

لا أعتقد أن النظام المصري سيستطيع فرض إرادته بهذا الشكل، لا يمكن أن تستبدل حركة أرادت أن تهيمن على السلطة بسند أغلبية شعبية إلى جهة تريد أن تهيمن على السلطة بسند حركة انقلابية، هنا يستمر الصراع لأنه موجود في عمق الشعب.

المصدر : الجزيرة