تسهم عدة عوامل اجتماعية واقتصادية في رفع نسبة العنوسة والعزوبية في محافظة ميسان جنوب العراق، فبينما يواجه معظم الشباب مشاكل اقتصادية تعيق تفكيرهم بتكوين أسرة، أصبح التقدم في العمل يأخذ الحيز الأكبر من تفكير بعض النساء.

تكاليف الزواج المرتفعة تؤرق المقبلين على الزواج وتشكل عاملا في العزوف عنه (غيتي إميجز)

الجزيرة نت-ميسان

تشعر نادية محمود (38 عاما) بأنها امرأة مهمشة في عائلتها والمجتمع عموما، بعد أن يئست من إمكانية الارتباط بزوج وتكوين أسرة، بل وتعتقد أنها فقدت حتى الفرصة في أن تكون زوجة ثانية لرجل مهما كان عمره وشكله، لأن "القطار قد فاتها" من وجهة نظرها.

هذا الشعور أثار فيها رغبة جامحة في الانتحار لاعتقادها بأنه الحل الوحيد لخلاصها من الكآبة، وآثار العنوسة وتعليقات وتهكم إخوتها، وغرقها في شؤون المنزل.

إلا أن الموضوع له منظور آخر من جانب الذكور، ويرتبط باعتبارات أعمق من الرغبة في تحقيق حلم كل إنسان بتكوين أسرة.

وفي هذا الصدد يقول سلام صيهود -يعمل موظفا- إن موضوع الزواج أصبح في حكم الانتحار بالنسبة له، ويعده أمرا ينطوي على مخاطر قد تنتج عنها نتائج غير محسوبة بالنسبة لرجل مثله.

ويوضح أن راتبه المحدود لا يكفي سوى للإنفاق على نفسه ومساعدة أسرته، وأن الزواج بحاجة إلى مبالغ كبيرة لا يستطيع توفيرها في ظرفه الراهن.

ويقول -في حديثه للجزيرة نت- "إن العاقل هو من يجنب نفسه هذا الأمر، وحتى إن استطاع الشباب أمثالي تأمين مبلغ كاف للزواج، فهناك مسؤوليات أكبر في تكوين أسرة وتنشئة أطفال، وهذا أمر صعب".

خالد صدام أكد أن غلاء المهور من أهم أسباب ارتفاع العزوبية والعنوسة (الجزيرة)

الاستقلالية
ويتفق الطالب الجامعي مخلد الطرفي في الرأي مع ما قاله صيهود، ويقول -في حديثه للجزيرة نت- "ليس لدي عمل ولم أكمل دراستي بعد وأسرتي لا تملك المال الكافي لتزويجي، وأنا بانتظار أن أحصل على عمل بعد إنهاء الدراسة الجامعية لأكوّن نفسي أولا، ثم أنشغل بالبحث عن الفتاة المناسبة، رغم أن معظم الأسر الآن تطالب بمبلغ كبير، وإذا ما تقدمت لخطبة إحداهن وطُلب مني مبلغ كهذا سأتراجع وأترك الموضوع نهائيا".

إلا أن الباحثة في قضايا الأحوال الشخصية والناشطة في منظمات المجتمع المدني في محافظة ميسان المحامية ليلى جعفر تعتقد أنّ طموح المرأة هو أمر يضاف إلى جملة العوامل التي تزيد من نسبة العنوسة.

وترى ليلى أن المرأة اليوم تجتاحها رغبة في الترقي المهني مثلها مثل الرجل، مما يدفعها إلى تأجيل فكرة الزواج بهدف تأسيس حياتها الخاصة وتأمين استقرارها المادي.

إلا أن بعض النساء ينشغلن بأمور حياتهن المهنية -حسب قولها- ولا يتنبهن إلا وهن في منتصف الثلاثينيات، وعندها تبدأ الرغبة لديهن في تأسيس أسرة، إلا أنه في ذلك الوقت من العمر "يكون القطار قد فات".

وتضيف في حديثها للجزيرة نت، أن هاجس الاستقلالية بات طابع المرأة العراقية حاليا، وعدم قدرة الشاب على تجهيز نفسه للزواج في عمر مبكر يضطره إلى الهجرة أو تأخير الزواج إلى ما بعد الأربعين، ما ينعكس على الفتيات مباشرة. 

أما أستاذ العلوم الإسلامية في جامعة الإمام الصادق بالعمارة خالد صدام عبد فيؤكد أن من أبرز أسباب هذه الظاهرة المبالغة في مهور الزواج، ويؤكد في حديثه للجزيرة نت أن الإحصائيات في العراق تشير إلى أن عدد من وصلوا إلى سن الـ35 دون زواج وصل إلى تسعة ملايين، منهم ما يزيد على ثلاثة ملايين امرأة وستة ملايين رجل. ووفقاً للإحصائيات، فإن نسبة النساء العازبات بلغت حدود 75%، منها 50% من النساء اللاتي لم يتزوجن رغم تجاوزهن سنَّ الـ34.

الحروب والاعتقالات والحالة الأمنية
أسهمت في مقتل وسجن الكثير
من الشباب العراقي
(الأوروبية)

غلاء المهور
المغالاة في المهور والتباهي بها سبب رئيسي في هذه المشكلة وعائق كبير يحول دون زواج كثير من الشباب والشابات الراغبين في الزواج كما يشهد بذلك الواقع.

وتبلغ نسبة عنوسة الفتيات في ميسان وحدها 70%، ويعزو رئيس منظمة الخير الإنسانية سعد جبار البطاط ذلك إلى الحروب والاعتقالات والتهجير والهجرة بين مكونات المجتمع التي شهدها هذا البلد نتيجة تردي الأوضاع الأمنية والعنف وازدياد عدد الأرامل والمطلقات.

كما أن أحلام الشباب بالهجرة إلى خارج البلد تشكل هي الأخرى أحد أسباب عزوف الشباب عن الزواج.

وأضاف البطاط "أن المنظمة تسعى إلى إطلاق مشروع لتزويج الشباب وتوفير مستلزمات الزواج من خلال مساعدتهم في تأمين احتياجاتهم والتعاون والتنسيق مع المصارف والحكومة المحلية لتبني هذا المشروع".

وبحسب إحصائيات محكمة استئناف ميسان الاتحادية، ارتفعت أعداد الطلاق في ميسان إلى 250 حالة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وعزا مدير دار حماية الأسرة في ميسان مزهر الموسوي في حديثه للجزيرة نت سبب حالات الطلاق السائدة في المحافظة إلى الجانب الاقتصادي المتمثل في انخفاض مستوى المعيشة وكثرة البطالة لدى الشباب، بالإضافة إلى تزويج الفتيات القاصرات مبكرا، والذي انعكس بشكل مباشر على ديمومة واستمرار الحياة الزوجية.

المصدر : الجزيرة