عاد الطبيب السوري أبو خالد إلى بلاده لتقديم ما يعتبره واجبا وطنيا في معالجة الجرحى والمرضى جراء القصف والحصار المحكم على مدينة حمص، رغم شح المعدات واستخدام أدوية منتهية الصلاحية، لكنه في نظره واجب لا مفر منه.

طفل جريح في مستشفى ميداني بحمص القديمة المحاصرة (الجزيرة)

 

رفيق الحمصي-حمص

يقول الطبيب السوري أبو خالد (54 عاما) "الدفاع عن الأرض والعرض مسؤولية الجميع"، هذا الطبيب عاد -كما يقول- إلى بلاده مع انطلاق الثورة منتصف مارس/آذار 2011، لمساندتها بعدما طال "انتظار حدوثها منذ أن سحق الأسد الأب، ثورة الثمانينيات".

ويشرح الطبيب كيف وصل إلى حمص القديمة ومعاناة الطريق المحفوفة بالمخاطر، "دخلنا المنطقة المحاصرة من مدينة حمص خلسةً مع عدد من الأشخاص من إحدى الطرق الزراعية منذ قرابة عشرة أشهر.

الطريق كان خطرا للغاية، ففيه مناطق نحتاج فيها للعبور في أنفاق تحت الأرض ومناطق أخرى نمر منها بحيث لا نبعد عن حواجز جيش النظام سوى أمتار قليلة، يخفينا عن عيونهم سواد الليل، والمنطقة الأشد خطرا هي نهر علينا اجتيازه سباحة".

الخطورة في النهر -بحسب أبو خالد- التيار القوي الذي سحب شخصا مرَّ قبلهم لم يستطع مقاومته، مما أدى إلى غرقه ووفاته. وتعرضوا في طريقهم إلى إطلاق نار متكرر، حيث كان جيش النظام يمشط هذه المنطقة الزراعية بشكل دوري ليلا خوفا من أن يعبر من خلالها أحد باتجاه المنطقة المحاصرة. ولم تمض أيام حتى قام جيش النظام بالانتشار الكامل ضمن هذه البساتين قاطعا هذا المتنفس على المحاصرين.

وهجر الكثير من أطباء سوريا وحملة الشهادات العلمية فيها ومثقفيها البلاد إبان اشتعال الثورة وبدء ارتفاع وتيرة الأوضاع السيئة أمنيا ومعيشيا.

وعن هذا الموضوع، يعرب الدكتور أبو خالد -الذي شارك في انتفاضة الثمانينيات ضد نظام الرئيس الراحل حافظ الاسد- عن صدمته من هجرة عدد كبير من الأطباء، وعدم مساندتهم للثورة ضد النظام.

ويتابع أنه رغم تقدمه في السن ومعاناته من المرض وترك زوجته حاملا، دخل إلى حمص المحاصرة مغامرا، فالمحاصرون من أطفال ونساء ومقاتلين يتعرضون لأبشع أنواع القصف بشكل يومي "وواجبي أن أقدم خدماتي لهم".

الأطباء بحمص يستخدمون الأدوية المنتهية الصلاحية لمعالجة المرضى (الجزيرة)

حشائش وتسمم
ولم يدخل المنطقة المحاصرة أي دواء بكميات كافية منذ بداية الحصار، وجل الموجود أدخل عن طريق التهريب والطرق الوعرة والخطرة.

ويتحدث الدكتور أبو خالد عن وضع طبي يرثى له ونفاد الأدوية الفعالة منذ زمن، واستخدام الأدوية المنتهية الصلاحية.

ويقول إنه في الأشهر الأخيرة بدأت تظهر بوتيرة متصاعدة أمراض نقص التغذية في عموم المتواجدين ضمن المنطقة المحاصرة، لأنه لا يوجد بروتينات أو خضار في غذائهم منذ بداية الحصار، وبات غذاؤهم عبارة عن حشائش من الأرض أسفرت عن مشاكل تسممية لم "نعهدها من قبل في ممارستنا للعمل الطبي، وصلت إحداها إلى وفاة المريض".

وختم أبو خالد بأن المنطقة تحتاج لمعجزة تخرجها من الحال التي وصلت إليها، فإن المحاصرين يعيشون أبشع مأساة في تاريخ العصر الحديث، ورغم ذلك "فهم ثابتون".

وبات عدد الأطباء الذين يساندون العمل المسلح ويقبلون التواجد بالقرب من خطوط القتال الأولى قليلا جدا، ويعد هذا من أبرز أسباب عرقلة سير العمليات العسكرية، بحسب قائد ميداني.

ويقول أبو ثابت، أحد قادة المعارضة المسلحة، إن ندرة الخبرات الطبية دفع الثوار لوقف العمليات العسكرية في بعض المناطق والانسحاب منها، بسبب كثرة الإصابات وعدم وجود العدد الكافي والاختصاصات المتنوعة لتقديم الخدمة للمصابين.

المصدر : الجزيرة