عبد العزيز بوتفليقة رئيس الجمهورية الجزائرية منذ العام 1999، وسياسي مخضرم، ناضل في صفوف المقاومة الجزائرية، وتولى مناصب قيادية في الدولة الجزائرية بعد الاستقلال.

بوتفليقة قدم أوراق ترشحه لولاية رئاسية رابعة رغم تعرضه لمشاكل صحية (الأوروبية)

عبد العزيز بوتفليقة رئيس الجمهورية الجزائرية منذ العام 1999، وسياسي مخضرم، ناضل في صفوف المقاومة الجزائرية وتولى مناصب قيادية في الدولة الجزائرية بعد الاستقلال.

ولد في 2 مارس/آذار 1937، ولم يكمل دراسته الثانوية، ليلتحق بصفوف جيش التحرير الوطني وهو ابن تسع عشرة سنة وذلك عام 1956، حيث كلف أثناء المقاومة بمهمات حساسة مثل المراقب العام للولاية الخامسة في عامي 1957 و1958، وضابط في المنطقتين الرابعة والسابعة بالولاية الخامسة.

عمل بهيئة قيادة العمليات العسكرية بالغرب، وبهيئة قيادة الأركان بالغرب، ثم لدى هيئة قيادة الأركان العامة، وذلك قبل أن يوفد عام 1960 إلى حدود البلاد الجنوبية لقيادة "جبهة مالي". انتقل عام 1961 بشكل سري إلى فرنسا واتصل بالزعماء التاريخيين المعتقلين بمدينة "أولنوا".

وبعد نيل الجزائر استقلالها عام 1962، بدأت مرحلة جديدة في حياة بوتفليقة السياسية، فأصبح في نفس العام عضوا في أول مجلس تأسيسي وطني ووزيرا للشباب. وسرعان ما تولى حقيبة الخارجية عام 1963 قبل أن ينتخب عضوا باللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير وعضوا بالمكتب السياسي عام 1964.

وفي 19 يونيو/حزيران 1965 كان بوتفليقة أحد الضباط الـ26 الذين قادهم العقيد هواري بومدين -الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع- لتنفيذ انقلاب على الرئيس أحمد بن بلة، وأصبح بومدين رئيسا للجزائر، وغدا بوتفليقة وزير الخارجية من أبرز الوجوه السياسية في البلاد ووجه الجزائر في المحافل الدولية.

استمر بوتفليقة وزيرا للخارجية حتى وفاة بومدين عام 1978، وقد نشطت الدبلوماسية الجزائرية في تلك الفترة وارتبط اسمها بالدفاع عن قضايا العالم الثالث والوقوف إلى جانب حركات التحرر.

المعارضة الجزائرية نفذت احتجاجات ضد ترشح بوتفليقة لانتخابات 2014 (رويترز)

وثيقة الـ18
بعد وفاة الرئيس الجزائري هواري بومدين يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 1978 غادر بوتفليقة الجزائر عام 1981، وقد أثيرت حينها قضية ارتباطه بالفساد، ثم أسدل الستار على تلك القضية ولم يعد إلى بلاده إلا في يناير/كانون الثاني 1987.

كان من موقعي "وثيقة الـ18" التي تلت وقائع الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 1988، وشارك في مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني عام 1989 فانتخب عضوا في اللجنة المركزية.

ترشح للانتخابات الرئاسية الجزائرية عام 1999 إلى جانب ستة مرشحين انسحبوا قبل يوم من موعد إجراء الاقتراع يوم 15 أبريل/نيسان 1999، وحصل بذلك على 70% من أصوات الناخبين حسب الأرقام الرسمية.

قبيل ترشح بوتفليقة الرسمي لانتخابات أبريل/نيسان 2004 أعلن مساندته لتحالف سياسي تم تشكيله في فبراير/شباط 2004 عرف باسم "التحالف الرئاسي"، ويضم حزب التجمع الوطني الديمقراطي بزعامة رئيس الوزراء آنذاك أحمد أويحيى، وحزب حركة مجتمع السلم ذا التوجه الإسلامي بزعامة أبو جرة سلطاني، والحركة التصحيحية لحزب جبهة التحرير الوطني بزعامة وزير الخارجية في حينها عبد العزيز بلخادم، فضلا عن مساندة اتحاد العمال الجزائريين له، وهو أكبر نقابة في الجزائر. وقد فاز بوتفليقة بنسبة 85% من الأصوات.

وفي الفترة التي سبقت انتخابات الرئاسة لعام 2004، أُدخل تعديل دستوري سمح لبوتفليقة بالترشح لولاية رئاسية ثالثة في انتخابات رأت جميع الأطراف أنها محسومة سلفا لصالحه. وبالفعل فاز في الانتخابات الرئاسية بأغلبية 90.25% من أصوات الناخبين.

نفذ بوتفليقة خلال رئاسته للجزائر عددا من الخطط التنموية حققت نجاحا لا بأس به، حيث تجاوز النمو الاقتصادي للجزائر عام 2003 حاجز 5%، محققا ارتفاعا بنسبة 6.3%.

أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد استثمر الرئيس خبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي، واستمرت الجزائر في عهده في احتلال مركز جيد على الصعيد السياسي الدولي.

وفي عام 2000 أطلق مبادرة المصالحة الوطنية في محاولة لإنهاء العنف المسلح في البلاد والتوصل إلى صيغة سياسة ترضي الأطراف السياسية المتخاصمة مع المؤسسة الحاكمة. وبعد فوزه بفترة رئاسية ثانية عام 2004 أجري استفتاء على مبادرة المصالحة الوطنية.

وقد عابت أحزاب المعارضة على مبادرة بوتفليقة أنها تعطي العفو لأفراد القوات المسلحة الذين تلطخت أيديهم بالدماء و"للإرهابيين" على حد سواء. وطالبت أوساط المعارضة بصياغة مصالحة وطنية تشبه تلك التي صيغت في جنوب أفريقيا المعروفة باسم "لجنة الحقيقة والمصالحة"، إلا أن بوتفليقة رفض تلك الدعوة وأصر على أن كل بلد له خصوصيته وظروفه.

ندرة ظهور بوتفليقة بعد مرضه أثارت تساؤلات عن وضعه الصحي (أسوشيتد برس)

التيار السلفي
اكتسب بوتفليقة بموقفه هذا دعما شعبيا وسياسيا واسعا من معظم ألوان الطيف السياسي الجزائري من ضمنه التيار الإسلامي، إلا أن التيار السلفي في الجزائر رفض الخطة وانضم بعد ذلك إلى تنظيم القاعدة وأصبح يعرف باسم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".

ورغم تلك التطورات فإن بوتفليقة أبقى باب العفو مفتوحا رغم انتهاء المهلة التي حددتها مبادرة المصالحة الوطنية، وفي نفس الوقت استمر الجيش الجزائري في تعقب ومطاردة مقاتلي التنظيم.

غير أن العام 2005 شهد بداية تعثر السجل الصحي للرئيس بوتفليقة، فقد نقل إلى فرنسا في نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام لعلاج قرحة في المعدة، إلا أن المدة التي استغرقها العلاج أدت إلى بروز شائعات تقول بأنه يعاني من سرطان في المعدة. وأعيد إلى المستشفى مرة أخرى في أبريل/نيسان 2006. وكانت تسريبات ويكيليكس أظهرت برقية دبلوماسية تقول إن بوتفليقة بالفعل يعاني من سرطان في المعدة.

لكن العام 2013 شهد الانتكاسة الصحية الكبرى لبوتفليقة، وهو ما أثار اللغط والجدل بشأن حقيقة مرضه، حيث مكث في مستشفى فرنسي أربعة أشهر، عاد بعدها إلى الجزائر ولوحظ بأن ظهوره للعلن أصبح محدودا للغاية.

ومع دخول عام 2014، أصبحت الانتخابات الرئاسية الجزائرية على الأبواب، وشهدت الجزائر فترة جدل وترقب بشأن نية الرئيس الترشح، إلا أنه عقد العزم في نهاية المطاف على الترشح وقدم أوراقه للجنة المسؤولة في الأسبوع الأول من مارس/آذار 2014.

أثار ترشحه لخوض الانتخابات لولاية رئاسية رابعة -رغم مرضه- احتجاجات عارمة من قبل المعارضة الجزائرية التي اعتبرت ترشحه نوعا من الاستحواذ على السلطة يستند إلى دعم الجيش، الذي يقول المعارضون إنه سيطر على المشهد السياسي في البلاد من وراء الكواليس منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1962.

ودعت المعارضة الجزائرية إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية، ونظمت مظاهرات كبيرة نسبيا احتجاجا على ترشح الرئيس (77 عاما) الذي أدى مرضه إلى ندرة ظهوره علنا، الأمر الذي أثار علامات استفهام حول حقيقة وضعه الصحي.

بوتفليقة أصدر عام 2011 توجيهات باستخدام عوائد النفط لتحسين الخدمات (الأوروبية)

مهام الرئاسة
ومما يزيد من حدة الاعتراضات الموجهة لترشح الرئيس الجزائري، صمت الحكومة وجبهة التحرير الوطني الحاكمة حيث لم يعلن الكثير من المعلومات عن وضع بوتفليقة الصحي، ولا يعرف إن كانت مشاكله الصحية قد وصلت حدا يمنعه من مزاولة مهامه رئيسا.

لكن مصادر المعارضة الجزائرية تدعي أن إصابته بسكتة دماغية العام الفائت قد تركته في حالة لا تسمح له بمزاولة عمله رئيسا بشكل طبيعي.

ينظر إلى النظام الجزائري تحت حكم بوتفليقة بشكل عام على أنه نظام عربي تقليدي يعتمد على تكريس السلطة ولا يعطي هامشا كافيا للحريات بشكل عام في بلد غني بالنفط والموارد الطبيعية.

وبعد اندلاع الثورات العربية في غير بلد عربي عام 2011، وصلت نسائم ما يعرف اصطلاحا بـ"الربيع العربي" إلى الجزائر، إلا أن جذوة الاحتجاجات الشعبية لم تصل إلى مرحلة تهدد النظام لاعتبارات عديدة قد يكون من أهمها تشتت أحزاب المعارضة وضعفها.

وللجزائر وضع خاص بهذا الشأن، فقد شهدت في بداية تسعينيات القرن الماضي إلغاء نتائج انتخابات فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ قاد إلى صراع مسلح استمر إلى نهاية الألفية الماضية، وسالت فيه دماء كثيرة. ولا تزال فضائع تلك الفترة عالقة بأذهان الكثير من الجزائريين، الذين يرون في بوتفليقة ودائرته السياسية نوعا من الضمان لعدم عودة الاقتتال وسفك الدماء.  

ويرى البعض أن بوتفليقة السياسي المخضرم قد أدار أزمة "الربيع العربي" بشكل ذكي، حيث أعطى أوامر مباشرة لزيادة الإنفاق الحكومي على الإسكان والخدمات العامة والبنية التحتية، في محاولة لامتصاص الغضب الجماهيري قبل أن يصل إلى مستوى تنظيم المليونيات كما حدث في مصر.

لكن تلك الإجراءات لم تمنع أحزابا يسارية وليبرالية علمانية وأخرى إسلامية من تنظيم الاحتجاجات على ترشح بوتفليقة للانتخابات الرئاسية لعام 2014، غير أن تلك الاحتجاجات لا تبدو أنها ستقلل من حظوظ بوتفليقة الذي تشير التوقعات إلى أنه سيفوز في الانتخابات ويتولى الرئاسة لفترة رئاسية رابعة، حيث ترفض الأحزاب غير الإسلامية وجود شخصيات من جبهة الإنقاذ الجزائرية المحظورة.

وقد بدأت وجوه معروفة من الإنقاذ بالانخراط في معارضة ترشح بوتفليقة إلا أن اسم هذه الجبهة يرتبط بعمليات قتل واغتيالات تعود إلى فترة تسعينيات القرن الماضي، التي تبدو أنها ستستمر كعامل انقسام في صفوف المعارضة ونقطة قوة تضاف إلى حظوظ بوتفليقة.

المصدر : الجزيرة