المفارقة في برلمان لبنان هي أن النواب جميعا يمنحون في النهاية الثقة للحكومة التي ينتقدونها بشدة ويشارك فيها المستقبل وحزب الله اللذان اعترضوا عليهما، وهو ما يبدو أنه سينعكس سلبا على الكيمياء داخلها، وتلك حال جميع حكومات الوحدة الوطنية بلبنان.

سلام بين اثنين من وزرائه يلوح بيده شاكرا النواب على منحه الثقة (الجزيرة)

علي سعد-بيروت

في جلسات البرلمان اللبناني المنقولة مباشرة على الهواء، كل شيء جائز، فالنقل التلفزيوني يشكل إغراء لا يُقاوم للاستعراض، وهنا لا مكان للهدوء أمام جمهور منقسم يعيش كثير من السياسيين على انقسامه هذا.

في هذه الحالة يمكن للنائب عن تيار المستقبل أحمد فتفت خلال جلسة مناقشة البيان الوزاري أن يصف مشاركة حزب الله في القتال بسوريا بأنها "جريمة كبيرة جلبت الإرهاب والعار إلى لبنان"، كما يمكن للنائب عن المستقبل خالد الضاهر مهاجمة أداء الجيش اللبناني.

ومع ذلك لن يقبل نواب الحزب وحلفاؤه عدم الرد فيصبح السجال مع فتفت والضاهر تحصيل حاصل، فيطلب غازي زعتير النائب من كتلة رئيس البرلمان نبيه بري من فتفت أن يسكت ولا يقاطع كلام رئيس المجلس، في حين يصف النائب عن حزب الله علي عمار فتفت والضاهر ساخرا بـ"الزميلين المقاومين".

أما المفارقة فهي أن هؤلاء النواب جميعا يمنحون في النهاية الثقة للحكومة التي يشارك فيها المستقبل وحزب الله سويا، وهو ما يبدو أنه سينعكس سلبا على الكيمياء داخلها، وهذا حال جميع حكومات الوحدة الوطنية في لبنان.

فبعد يومين من المناكفات والخطب والخطب المضادة نالت حكومة تمام سلام ثقة 96 نائبا من أصل 101 حضروا جلسة التصويت. وبهذه الطريقة رسخ النواب اللبنانيون أدبيات دخلت على السياسة المحلية، كأن يبدأ نائب كلامه بهجوم على فريق ممثل في الحكومة، ثم ينهي خطابه بمنح الثقة للحكومة نفسها.

رئيس الحكومة تمام سلام والوزراء يتلقون التهاني بنيل الحكومة الثقة (الجزيرة)

القوات منسجمة
وبدأ حزب القوات اللبنانية (من المكونات الأساسية في 14 آذار) في جلسات الثقة أكثر الأفرقاء انسجاما مع نفسها بحجبها الثقة عن الحكومة بعدما رفضت في وقت سابق المشاركة فيها، في حين أكدت كلمات ممثليها أنها لن تقوم بعرقلة عملها.

وقال شانت جنجنيان النائب عن كتلة القوات للجزيرة نت، إن حجب الثقة يأتي انسجاما مع ما طرحته القوات منذ بداية الحديث عن تشكيل الحكومة، وهو عدم الجلوس على طاولة حكومة جامعة قبل أن يتم التفاهم على أمرين أساسيين، هما حياد لبنان في الأزمة السورية، وضرورة أن يكون السلاح تحت إمرة الشرعية اللبنانية.

وأضاف جنجنيان أن تعامل القوات مع الحكومة في الفترة المقبلة سيكون على أساس التمسك بهذه المبادئ والمطالبة بتنفيذها، ولكن بعيدا عن المشاحنات والمناكفات ومن دون عرقلة عملها، لأن مطلبنا الأساسي هو قيام الدولة، وهذا يتعارض مع عرقلتها.

الوزراء يستمعون لمداخلة النواب حول البيان الوزاري في مجلس النواب (الجزيرة)

استعراض وتناكف
وتوالى 35 نائبا على الكلام في الندوة البرلمانية المستمرة منذ الأربعاء لمناقشة البيان الوزاري، ركز معظمهم على الاعتراض العالي النبرة على مشاركة حزب الله في سوريا خصوصا نواب تيار المستقبل وحزب الكتائب المشاركين في الحكومة، في حين كانت خطابات حزب الله وحلفاؤه تميل أكثر إلى الدفاع عن هذا الخيار وانتقاد نواب 14 آذار لعدم تطرقهم إلى العداء مع إسرائيل.

ووصف الكاتب والمحلل السياسي طارق ترشيشي إقبال النواب على الكلام بأنه استعراض انتخابي، معتبرا أنه كان يفترض أن يتكلم متحدث واحد باسم كل كتلة خاصة تلك الممثلة في الحكومة، التي يعني هذا أن ممثليها سبق أن وافقوا على البيان.

ورأى في حديث للجزيرة نت أنه من غير المبرر أن ينبري نواب كتل مشاركة في الحكومة لمناقشة بيانها، لكونها لم تبدأ عملها بعد، وبالتالي ليست محاسبتها ممكنة، معتبرا أن القوات اللبنانية التي حجبت الثقة والنائب عن الجماعة الإسلامية عماد الحوت الذي امتنع عن التصويت كان مبررا لهما انتقاد الحكومة ومناقشتها.

وعن جو عدم الانسجام الذي قد تخلقه هذه السجالات داخل الحكومة، قال ترشيشي إن هذه الحكومة ينبغي أن تكون جسرا للدخول إلى مرحلة توافقية تنطلق من الاتفاق على رئيس الجمهورية المقبل، أما إذا كان الهدف منها نقل النزاع من الشارع إلى الحكومة فهذا سينعكس سلبا على عملها وسيعيقها خصوصا في حال عدم انتخاب رئيس جديد للبلاد، وهو ما بدا جليا في خطابات النواب التي لا تبشر بخير.

المصدر : الجزيرة