تتشابه خريطة القرم مع خريطة فلسطين المحتلة وتأخذ وضع المثلثين الملتصقين من القاعدة داخل البحر الأسود، ويحيط البحر بهذه الجمهورية المتمتعة بالحكم الذاتي من جميع الجهات، باستثناء شريط من اليابسة لا يتجاوز ثمانية كيلومترات يربطها شمالا بأوكرانيا.

خالد شمت-الجزيرة نت

منحت الجغرافيا والتاريخ والتنوع السكاني إقليم شبه جزيرة القرم الواقع جنوبي أوكرانيا والمطل على البحر الأسود، صفة الفرادة بين أقاليم البلاد.

تتشابه خريطة القرم مع خريطة فلسطين المحتلة، وتأخذ وضع المثلثين الملتصقين من القاعدة داخل البحر الأسود، ويحيط البحر بهذه الجمهورية المتمتعة بالحكم الذاتي من جميع الجهات باستثناء شريط من اليابسة لا يتجاوز ثمانية كيلومترات يربطها شمالا بأوكرانيا.

وتبلغ مساحة شبه جزيرة القرم أكثر 26 ألف كيلومتر مربع، ويتجاوز عدد سكانها مليوني نسمة، ينحدرون من مائة قومية، أبرزها الروس والتتار والأوكرانيون.

ويتكون القرم من عدد من المدن الكبيرة والصغيرة، أبرزها عاصمتها سيمفروبول ومينائها الرئيسي سيفستوبول الذي يُعد منذ عصر القياصرة الروس حتى الآن مقر أسطول البحر الأسود الروسي، ومنتجع يالطا، الذي اشتهر باحتضانه اجتماعا تاريخيا عقد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا النازية عام 1945 لرئيسيْ الولايات المتحدة  فرانكلين روزفلت والاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين ورئيس وزراء بريطانيا آنذاك ونستون تشرشل لبحث تقاسم أوروبا.

معاناة التتار تفاقمت خلال الحرب العالمية الثانية عندما احتل ستالين القرم واتهم قطاعا منهم بمساعدة الجيش الألماني النازي، وهجّر تتار القرم إلى كزاخستان وآسيا الوسطى مما أدى إلى وفاة نصف الشعب التتري البالغ عددهم وقتها نحو مائتي ألف

أهمية إستراتيجية
وظل القرم لسنوات طويلة وطنا لقبائل البدو من آسيا الوسطى، ودار الصراع لقرون عدة بين قوى مختلفة من بينها سكان جنوى والبندقية والرومان والبيزنطيون والعثمانيون وبالطبع الروس للسيطرة على شبه الجزيرة بسبب أهميتها الجيوإستراتجية المتمثلة بتحكمها في البحر الأسود وامتلاكها مدخلا على مضيق البوسفور والبحر المتوسط.

والقرم كلمة تركية تعني "القلعة" أو "الحصن"، وارتبط هذا الإقليم بالعثمانيين خلال دولة "خانات تتار القرم" التي تأسست عام 1430، واستمرت هناك لنحو أربعة عقود قبل أن تُسقطها عام 1783 الإمبراطورة كاترين الثانية، التي شرعت بعد ذلك بتهجير أعداد كبيرة من مواطنيها الروس إلى هناك.

ويُعد التتار الذين سكنوا شبه جزيرة القرم من القرن الثامن الميلادي من الشعوب التركية، وعانوا في بداية الحقبة السوفياتية من الملاحقة وإغلاق مساجدهم وحظر شعائرهم الدينية.

غير أن معاناتهم تفاقمت خلال الحرب العالمية الثانية عندما احتل الزعيم السوفياتي الراحل جوزيف ستالين القرم واتهم قطاعا من التتار بمساعدة الجيش الألماني النازي، هجّر ستالين تتار القرم إلى كزاخستان وآسيا الوسطى مما أدى إلى وفاة نصف الشعب التتري البالغ عددهم وقتها نحو مائتي ألف.

هدوء يتلاشى
وخلال الفترة بين عامي 1944 و1967 خلت شبه جزيرة القرم من أي وجود للتتار الذين بقيت مأساة تشريدهم حاضرة بأذهان أجيالهم، وفي عام 1954 أعلن الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف ضم القرم إلى أوكرانيا.

ورغم اعتذار الاتحاد السوفياتي السابق رسميا عن الفظائع التي ارتكبها ستالين بحق تتار القرم، فإنه لم يُسمح لهم بالعودة لموطنهم الأصلي إلا عام 1988.

ويشكل التتار الآن نحو ثلاثمائة ألف نسمة، أي ما نسبته 13% من سكان القرم، وميز الهدوء لسنوات طويلة علاقة هؤلاء التتار بسكان الإقليم من ذوي الأصول الروسية الذين يُعدون الغالبية السكانية.

وبدأ هذا الهدوء يتلاشى بعد إسقاط الاحتجاجات -التي أيدها تتار القرم- الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، والتباين بشأن المستقبل السياسي للإقليم، حيث يؤيد تتار القرم بقاء إقليمهم ضمن الدولة الأوكرانية، في حين يدعو ذوو الأصول الروسية لإجراء استفتاء لتحديد مصير القرم بالانفصال عن أوكرانيا وضمها لروسيا.

المصدر : الجزيرة