التعديلات التي أدخلها البرلمان التركي على قانون مجلس القضاء، أحدثت جدلا واسعا بين الحكومة والمعارضة حول دور التعديلات في هيمنة السياسة على القضاء أو العكس.

البرلمان التركي أقر تعديلات على قانون مجلس القضاء أثارت جدلا حول استقلال القضاء (الفرنسية)
 
وسيمة بن صالح-إسطنبول
 
أثارت اعتقالات صباح 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي في صفوف مقربين من الحكومة التركية -بينهم أبناء وزراء ورجال أعمال- بتهم الفساد، عاصفة سياسية ساخنة بتركيا، ازدادت حدتها مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية، وإقرار البرلمان التركي قوانين وتعديلات أثارت المزيد من الجدل والاتهامات للحزب الحاكم، بتقييده للحريات وتسخير القوانين لخدمة مصالحه.

وأكثر تلك القوانين إثارة للجدل هو قانون التعديلات على قانون مجلس القضاء الأعلى الذي صادق عليه رئيس الجمهورية عبد الله غل الأربعاء الماضي. وأوضح بيان للمركز الإعلامي التابع لرئاسة الجمهورية التركية أن "التعديل المصادق عليه شمل المواد التي تتعارض مع دستور البلاد، في حين ترك الباب مفتوحا للطعن في باقي المواد أمام المحكمة الدستورية".

وقدم حزب الشعب الجمهوري المعارض صباح الجمعة الماضية طلبا للمحكمة الدستورية لإلغاء بعض أحكام القانون، إلا أن المحكمة ردت الطلب حتى يستوفي الشروط كاملة، ليصبح قانونيا.

مظاهرات حاشدة لأحزاب المعارضة
ضد حكومة العدالة والتنمية
 
(رويترز-أرشيف)
مجلس القضاء الأعلى
يعتبر مجلس القضاء الأعلى إحدى الهيئات القضائية العليا في تركيا، ويوكل إليه تعيين القضاة والمدعين العامين، وقد زيد عددُ أعضائه ليصبح 22 بعدما كانوا سبعة، إثر التعديلات الدستورية التي تم الاستفتاء عليها عام 2010.

ويترأس المجلس وزير العدل الذي يعتبر هو ومستشاره عضوين تلقائيين فيه، وينتخب عشرة من أعضائه بانتخابات تجري بين القضاة والمدعين العامين، في حين يختار رئيس الجمهورية أربعة منهمز أما الباقي فيتوزع اختياره على المحكمة العليا ومجلس الدولة وأكاديمية العدالة التركية.

ويتشكل المجلس الذي يترأسه وزير العدل من ثلاث دوائر: الأولى تقتصر مهامها على التعيين والنقل، والثانية بالترفيع وهي أيضا بمثابة محكمة تأديبية تبت في المخالفات الإدارية للموظفين. أما الدائرة الثالثة فهي خاصة بمهام التفتيش وإصدار الإذن بفتح تحقيقات بحق القضاة والمدعين العامين الذين يرتكبون مخالفات أو جرائم أثناء قيامهم بعملهم واستغلال مناصبهم بشكل غير قانوني.

أبرز التعديلات هي تغيير آليات انتخاب كبار القضاة والمدعين العامين من النظام القديم الذي كان يسمح لكل ناخب بالإدلاء بصوته لأكثر من مرشح، ليصبح حسب التعديل الجديد لكل ناخب الحق في انتخاب مرشح واحد فقط.

كما أصبحت صلاحية تعيين رئيس المجلس التفتيشي ونوابه وسكريتره العام بيد وزير العدل الذي أصبحت له أيضا الكلمة النهائية في السماح بفتح التحقيقات بحق القضاة والمدعين العامين.
 
القضاء والسياسة
ووصف غورسال تكين نائب حزب الشعب الجمهوري المعارض هذه التعديلات بأنها محاولة من الحكومة لربط مجلس القضاء الأعلى بمركز حزب العدالة والتنمية. واعتبر في حديثه للجزيرة نت أن تصميم النظام القضائي بما يلبي احتياجات الأحزاب السياسية يؤدي إلى "تسييس العدالة".
تكين: تعديلات الحكومة ستؤدي
إلى تسييس العدالة في تركيا
(الجزيرة نت)

ورغم إقراره بأن النظام القضائي في تركيا يعاني من خلل وقصور، فإنه أشار إلى أن الحل ليس في إقامة تحالفات لمحاربة التكتلات داخل مؤسساته، بل في التحرك بهدف معالجة ذلك القصور.

واعتبر أن توقيت إقرار هذه التعديلات بعد انفجار فضيحة الفساد وحملة الاعتقالات في صفوف أبناء وزراء من الحزب الحاكم، محاولة لحماية هؤلاء والتدخل في التحقيقات، وليس رغبة صادقة في حل مشاكل النظام القضائي بتركيا. وشدد على أن حزبه يريد نظاما قضائيا يكسب ثقة الجميع، وأن مجلس القضاء الأعلى يجب أن يبقى ''قطعا خارج ميدان السياسة''.

الصوت الواحد
من جهته أكد مستشار في رئاسة الوزارة التركية -فضل عدم كشف اسمه- أن الحكومة اعتمدت في تعديلاتها على أمثلة عدة دول أوروبية في هذا المجال، وأن التعديلات الجديدة "ستمنع استخدام القضاء من قبل مجموعات معينة لفرض وصايتها على القوى السياسية بتركيا".

واعتبر في حديثه للجزيرة نت أن اعتماد التصويت على مرشح واحد فقط "سيفتح الباب أمام فرص متساوية لجميع المرشحين من مختلف الانتماءات"، بعد أن كان ينحصر في المرشحين عن الجماعة الأقوى في المؤسسة، في إشارة غير مباشرة إلى جماعة "الخدمة" المعروفة بنفوذها في جهازي الشرطة والقضاء.

ووصف المستشار هذه العملية بأنها ستجعل الغلبة "لصالح التمثيل الإداري وليس العدد"، وهذا برأيه سيجعل المجلس "أكثر استقلالا في ممارسة عمله وليس خاضعا لأوامر وأجندة جهة معينة".

وحسب نص التعديلات فإن خضوع وزير العدل لمساءلة البرلمان والإعلام والمنظمات غير الحكومية والشعب التركي يجعله يمارس صلاحياته بمزيد من الكفاءة والشفافية، لهذا تم تسليمه تلك المهام الجديدة فيما يخص مجلس القضاء الأعلى.

المصدر : الجزيرة