أميط خلال يناير الفائت اللثام عن مشروع بالكونغرس الأميركي يتعلق بمساعدات عسكرية واقتصادية لمصر. إلا أن صرف تلك الأموال يتطلب صدور قرار من وزير الخارجية الذي طالب بدوره الحكومة المصرية المؤقتة بتنفيذ خارطة طريق نحو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

 جون كيري أعلن أنه سيبت بأمر المساعدات الأميركية لمصر عما قريب (أسوشيتد برس)

ياسر العرامي-واشنطن

أجمع محللون سياسيون وباحثون أميركيون مختصون بشؤون الشرق الأوسط على أن واشنطن ستحسم أمرها باتجاه إعادة استئناف مساعداتها لمصر والتي جُمّدت عقب انقلاب 3 يوليو/تموز الماضي الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي.

وكان وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد أعلن الأسبوع الماضي خلال جلسة استماع في الكونغرس لمناقشة طلب ميزانية وزارة الخارجية عن أنه سيبت في أمر استئناف المساعدات الأميركية لمصر خلال الأيام القادمة.

وخلال شهر يناير/كانون الثاني الفائت كشف عن مشروع بالكونغرس الأميركي يتعلق بمساعدات عسكرية واقتصادية لمصر بأكثر من مليار ونصف المليار دولار، إلا أن صرف تلك الأموال يتطلب صدور قرار من وزير الخارجية الذي طالب بدوره الحكومة المؤقتة في مصر بتنفيذ خارطة طريق نحو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

ضغوط الكونغرس
وتوقع الباحث في معهد الشرق الأوسط محمد المنشاوي أن يحسم كيري موقفه قريبا في اتجاه معاودة منح المساعدات العسكرية لمصر.

غير أنه رأى في حديثه للجزيرة نت أن معضلة بقاء الإخوان المسلمين خارج اللعبة السياسية قد تعقد حسابات واشنطن رغم ما تراه من تنفيذ الحكومة المؤقتة لخطوات خارطة الطريق التي تم الإعلان عنها.

وعزا المنشاوي التوجه الأميركي لإعادة تدفق المساعدات للقاهرة لعدة أسباب، منها الضغط الذي يمارسه الكونغرس -خاصة مجلس النواب- في هذا الاتجاه لما يراه من ضرورة دعم الحكومة المصرية في حربها على الإرهاب، لا سيما ما يحدث في سيناء كون ذلك له آثار كبيرة على الأمن الإقليمي، وتحديدا إسرائيل.

 بسمة مؤمني: واشنطن على علم بانتهاك النظام في مصر حقوق الإنسان (الجزيرة)

ولفت الباحث إلى الدور الذي يلعبه اللوبي الإسرائيلي في هذا الصدد، قائلا إنه يمارس ضغوطا كبيرة على أعضاء الكونغرس وعلى أركان الإدارة الأميركية بضرورة الوقوف بجوار الجيش المصري.

ولا تقتصر هذه الضغوط على اللوبي الإسرائيلي فقط، فحسب المنشاوي هناك جهود كبيرة تبذل في هذا الإطار وتشارك فيها لوبيات عدة دول خليجية مؤيدة للوضع القائم في مصر.

ومن الأسباب التي تدعو واشنطن إلى إعادة تدفق المساعدات لمصر فقدانها نفوذا كبيرا في القاهرة، والذي تجلى من خلال تصميم الحكومة الانتقالية في مصر على موقفها وعدم استجابتها للنداءات الأميركية.

وبشأن المطالب الأميركية السابقة لحكومة مصر الانتقالية بتنفيذ خارطة طريق نحو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، يرى المنشاوي أن المطالب الأميركية تمثلت في أن تكون الخارطة شاملة لكل القوى السياسية المصرية.

ويستدرك قائلا إن ذلك لن يتحقق ولن تعترض عليه واشنطن، مؤكدا أن قضية انتهاكات حقوق الإنسان ستستمر كما كان عليه الحال إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وأن واشنطن ستعتمد قاعدة علاقات جيدة بالنظام الحاكم في مصر مع توجيه انتقادات متكررة لانتهاك حقوق الإنسان.

أمر واقع
من جهتها، أعربت أستاذة العلوم السياسية بجامعة واترلو الدكتورة بسمة مؤمني عن اعتقادها أيضا بأن واشنطن ستستأنف المساعدات لمصر، ولكن مع تأخير عدد قليل من الآليات العسكرية المستخدمة لأغراض هجومية للتعبير عن استياء الولايات المتحدة من سجل انتهاكات حقوق الإنسان والاعتقالات غير المشروعة للصحفيين والناشطين.

أفتنديلين: واشنطن تميل
لاستمرار العلاقة مع القاهرة (الجزيرة)

ويبدو أن الإدارة الأميركية قد قبلت بسيطرة الجيش على البلاد كأمر واقع مع وجود "تأييد شعبي" لذلك، حسب قولها.

وقد تستمر هذه السيطرة -برأي مؤمني- إلى عشر سنوات قادمة أو أكثر، لذا تسعى الإدارة الأميركية لأن تكون لها علاقة عمل مع المصريين وليس عزل مصر تماما.

وتضيف مؤمني للجزيرة نت أن الولايات المتحدة تدرك في الوقت نفسه أن النظام المصري ينتهك حقوق الإنسان،
ولا سيما في قضايا حرية التعبير وحرية التجمع، وبذلك ستتم معاقبة مصر بطريقة محدودة وربما رمزية.

ولفتت مؤمني -التي تعمل باحثة في مركز ابتكار الحكم الدولي- إلى أن واشنطن ترغب في رؤية مظهر من مظاهر المشاركة السياسية بمصر، ولكن الأهم بالنسبة لها هو وجود بعض الهدوء السياسي والاستقرار بحيث تحافظ على مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية المحدودة.

نفوذ
من جهته، يرى غريغوري أفتنديلين -الباحث المختص بشؤون الشرق الأوسط في جامعة ماساتشوستس لويل ومركز السياسة الوطنية- أن واشنطن تحاول اعتماد مبدأ التوازن، فهي تميل إلى استمرار العلاقة الثنائية مع القاهرة لأسباب سياسية وإستراتيجية، وفي الوقت نفسه تنتقد علنا انتهاك حقوق الإنسان واعتقال الصحفيين والمدونين.

وأشار أفتنديلين إلى أن كيري سيستمر في الدفاع عن استمرار المساعدات، لأن ذلك يعطي الولايات المتحدة بعض النفوذ في هذه البيئة السياسية الصعبة.

ولم يغفل أفتنديلين الضغوط التي قال إن كيري يتعرض لها من قبل الكونغرس للإفراج عن المساعدات سواء من قبل الجمهوريين أو الديمقراطيين، وبالتالي فهو قد يختار الإفراج عنها في هذه المرحلة كوسيلة لتهدئة الكونغرس، وإرسال إشارات تحتاجها واشنطن في مساعيها لتحقيق النفوذ وتحسين حالة حقوق الإنسان بمصر.

المصدر : الجزيرة