تمثل حالة الطبيب إيهاب أبو سعدة واحدة من أحدث حالات الاعتداء على الأطباء في المستشفيات والمراكز الصحية بالأردن، حيث صارت هذه الظاهرة واحدة من مظاهر عنف مجتمعي يتنقل من الجامعات إلى المجتمعات المحلية بشكل مقلق.

محمد النجار-عمّان

تمثل حالة الطبيب إيهاب أبو سعدة واحدة من أحدث حالات الاعتداء على الأطباء في المستشفيات والمراكز الصحية بالأردن، حيث صارت هذه الظاهرة واحدة من مظاهر عنف مجتمعي بات يتنقل من الجامعات إلى المجتمعات المحلية بشكل مقلق.

فقد اعتدى مرافقو أحد المرضى في مستشفى الأمير حمزة بن الحسين في عمّان على الطبيب أبو سعدة إضافة لطبيبين آخرين، حيث أصيب أبو سعدة في رأسه مما أدى لفقدانه ذاكرته لمدة ساعة ونصف الساعة.

وقال أبو سعدة للجزيرة نت من سرير الشفاء بالمستشفى الإسلامي بعمّان حيث يعالج حاليا "مؤسف أن يعتدي عليك مرافقو مريض كانوا يجادلون بحاجة مريضهم لإجراء طبي، ثمّ الاعتداء اللفظي قبل أن يتحول الأمر لاعتداء بالأيدي".
الطبيب إيهاب أبو سعدة يتلقى العلاج بعد الاعتداء عليه (الجزيرة)

ظاهرة متفاقمة
وتشير سجلات نقابة الأطباء الأردنية إلى أن عدد الاعتداءات المسجلة على أطباء في الأردن منذ مطلع هذا العام بلغت 14 اعتداء، في حين بلغ عدد هذه الحالات نحو 83 حالة عام 2013.

ونفذ الأطباء العاملون في وزارة الصحة يوم الاثنين توقفا عن العمل لمدة ساعتين، تم خلاله تنفيذ وقفات احتجاجية، وهدد الأطباء بتصعيد أكبر إذا لم يتم تشديد العقوبات على المعتدين على الأطباء.

نقيب الأطباء الأردنيين هاشم أبو حسان قال للجزيرة نت أثناء وقفة الأطباء الاحتجاجية بمستشفى البشير -أكبر المستشفيات الحكومية بالأردن- إن "ظاهرة الاعتداء على الأطباء في الأردن باتت مقلقة".

ولفت أبو حسان إلى أنه ورغم التقدم الذي حصل في تعامل القضاء بحزم مع المعتدين على الأطباء والكوادر الصحية فإن ذلك ليس كافيا، مشيرا بالذات إلى أن بعض المراكز الأمنية تسجل الاعتداء باعتباره "مشاجرة بين طرفين مما يساوي بين الضحية والمعتدي".

أبو حسان وصف ما يجري للأطباء بأنه "مكافأة سيئة للسمعة الطيبة التي يحظى بها الطب في الأردن على المستوى العربي والإقليمي".

وفسر تكرار الاعتداءات وبخاصة في المستشفيات والمراكز التابعة لوزارة الصحة بالاكتظاظ الشديد في أعداد المرضى والضغط الكبير على الأطباء والكوادر الطبية، وعدم وجود "فصل إداري بين المرضى والمرافقين لهم".

وكرر نقيب الأطباء مطالبته للحكومة بأن تقوم بترتيبات إدارية داخل مراكز الطوارئ تفصل المرضى عن مرافقيهم، ووضع نقاط للشرطة داخل هذه الأقسام التي تشهد الكم الأكبر من الاعتداءات.

غير أن هناك من يرى في ظاهرة الاعتداء على الأطباء أنها جزء من ظاهرة أوسع تتعلق بانتشار العنف المجتمعي بالأردن، والذي حصد عشرات القتلى وآلاف الجرحى في السنوات القليلة الماضية.

وتشير سجلات الحملة الوطنية لحقوق الطلبة (ذبحتونا) إلى أن العام الماضي شهد أكثر من 80 مشاجرة داخل الجامعات، استخدم السلاح في عدد كبير منها، كان أعنفها في جامعة الحسين في معان جنوب المملكة، والتي قتل فيها أربعة طلاب وموظف بالجامعة بالسلاح الأوتوماتيكي.

أبو حسان: الاعتداء على الأطباء مكافأة سيئة للسمعة الطيبة للطب في الأردن (الجزيرة)

غياب القانون
أستاذ الطب النفسي الدكتور محمد الحباشنة اعتبر أنه لا يمكن الفصل بين الاعتداء على الأطباء وبين ظاهرة العنف المجتمعي في الأردن.

وقال للجزيرة نت "نتحدث دائما عن ثنائية خطيرة تواجهنا، وهي أننا نعيش في مجتمع انتقالي وخليط من ناحية، إضافة لغياب دولة القانون".

وفسر للجزيرة نت "الأردن يتمتع بنسبة عالية من التعليم، لكن الشخص لديه طابقان من التفكير، واحد يجعله يفكر كمتعلم ومثقف وذي شأن، والآخر يتصرف من خلاله باعتباره جزءا من العشيرة أو الجماعة المحلية فيستخدم العنف وغيره من الأساليب التي تتناقض مع ذاته".

وبرأي الحباشنة فإن أسوأ ظواهر العنف باتت تنتشر في المجتمعات الأكاديمية الأكثر تحضرا، وخاصة في الجامعات وضد الأطباء الذين باتوا يحتاجون في بعض الأحيان لحمل السلاح الذي يحميهم جنبا إلى جنب مع السماعة وميزان الحرارة وغيرها من الأدوات التي تمكنهم من رعاية المرضى.

ويؤشر الحباشنة بالذات إلى أن جزءا من المشكلة يكمن في الضغط الاقتصادي، وأن المواطن يعرف أن من حقه الحصول على العلاج، فيشعر بالظلم عندما يعاني من نقص الكوادر وغيرها من المعيقات، فيقوم بعضهم بالاستقواء على الطبيب، وهو الحلقة الأضعف في معادلة العلاقة بين المواطن وحقه في العلاج.

وانتهى الخبير النفسي إلى القول إن المشكلة الأساس تكمن في غياب دولة القانون، معتبرا أن غياب التشريعات التي تحمي الطبيب والمعلم والطالب والمواطن من الاعتداء، والتي تردع المعتدي بنفس الوقت هي الوحيدة الكفيلة بوقف الظاهرة التي لن تتوقف بكثرة الحديث عنها والاحتجاج عليها.

المصدر : الجزيرة