أكد ناشطون سوريون مشاركة حزب الله مبكرا في قمع ثورتهم على النظام، لكنّ دليلا لم يظهر إلا عندما بدأت جثث قتلى حزب الله بالوصول إلى لبنان، ولم يقر الحزب رسميا بمشاركته بالحرب إلا عند بدء معركة القصير في مايو 2013.

مشاركة لحزب الله في القتال بدرعا البعيدة عن الحدود اللبنانية (الجزيرة)

أحمد يعقوب

بينما تتواصل المعارك بين المعارضة السورية من جهة، وجيش النظام والملشيات غير السورية المساندة له من جهة أخرى برز دور حزب الله كمساند لقوات النظام منذ بداية الثورة السورية ثم عنصرا حاسما في المعارك، وقد كشفت تقارير بحثية عن حجم مشاركة الحزب في الحرب السورية وسط تنوع القراءات لأبعادها العسكرية والسياسية والحقوقية.

وكان نشطاء سوريون قد اتهموا حزب الله بالمشاركة في قمع المحتجين السلميين على قمع النظام منذ بداية الثورة في منتصف شهر مارس/آذار عام 2011، إلا أن هذه الاتهامات لم تسندها الوثائق والأدلة, كما أن حزب الله استمر بتجاهلها حتى أغسطس/آب من العام ذاته.

تشير دراسة لجيفري وايت المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية لدول المشرق العربي وإيران نشرها معهد واشنطن إلى أن مقاتلي الحزب إضافة للمقاتلين الشيعة الأجانب يتخذون من المزارات ومكاتب المرجعيات الشيعية والأحياء الشيعية في دمشق ومحيطها مراكز تجمّع لهم

في هذا الشهر ثبت تورط حزب الله في سوريا بعد واقعة طريفة ظهرت فيها حكومة نجيب ميقاتي وهي تحاول التستر على تورط الحزب في حين أنه لم يكن يؤكد ولا ينفي ذلك، ففي 29 أغسطس/ آب من عام 2011  نشرت
"النهار" البيروتية خبرا عن تشييع قتيل من الحزب يدعى حسن علي سماحة في بلدة الكرك بمنطقة زحلة شرقي لبنان.

وقالت الصحيفة إن الحزب أفاد بأن سماحة سقط "خلال قيامه بواجبه الجهادي" دون إشارة إلى المكان، وهو مؤشر ضمني على سقوطه في سوريا, في حين أن وزارة الداخلية اللبنانية حاولت نفي الخبر, وقال متحدث باسمها للصحيفة إن سماحة قضى في حادث سير ببيروت. 

أبو عباس
واستمر تكتم قادة الحزب على تورطه رغم استمرار تشييع جنازات القتلى لغاية أكتوبر/تشرين الأول عام 2012 عندما سقط أحد أبرز قياديي الحزب في سوريا محمد حسين الحاج ناصيف الملقب بأبو عباس، وقتها اضطر الحزب إلى الإعلان عن وفاته وشارك قادته في تشييعه, مع استمرار استخدام اللازمة الدعائية القائلة إنه مات "أثناء تأديته واجبه الجهادي".

ومع انطلاق معركة استعادة مدينة القصير بمحافظة حمص من يد المعارضة السورية في مايو/أيار عام 2013 تغيرت مقاربة الحزب العلنية للأزمة السورية، وقتها ألقى الأمين العام للحزب حسن نصر الله خطابا مثل إعلان حرب على الثورة السورية، تعهد في سياقه بدحر ما أسماه التمرد والإبقاء على نظام بشار الأسد، معلنا أن "سوريا هي ظهر المقاومة وسندها، والمقاومة لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي وتسمح للتكفيريين بكسر عمودها الفقري".

غموض
ورغم الضجة الإعلامية -التي واكبت انكشاف تدخل حزب الله المباشر في الصراع- بقيت خارطة انتشاره غير واضحة نظرا لتكتم النظام والحزب نفسه عليها.

في هذا الصدد، تشير دراسة لجيفري وايت المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية لدول المشرق العربي وإيران نشرها معهد واشنطن إلى أن مقاتلي الحزب إضافة للمقاتلين الشيعة الأجانب يتخذون من المزارات ومكاتب المرجعيات الشيعية والأحياء الشيعية في دمشق ومحيطها مراكز تجمّع لهم.

ويضيف أن الحزب "ينطلق من هذه الأماكن لشن هجمات على المدنيين والجيش الحر، خاصة في منطقة الحجر الأسود بالتعاون مع القوات السورية والشبيحة تحت ذريعة الدفاع عن المزارات الدينية".

أما عن أهمية تلك المنطقة فيضيف الكاتب أنها "تضم أعدادا كبيرة من الشيعة السوريين وغير السوريين، وبالتالي فإنها منطقة عمل آمنة بالنسبة لهم، وتعد بمثابة موطئ قدم داخل العاصمة دمشق، وعلى مقربة من المواقع الإستراتيجية خاصة أوتوستراد دمشق-بيروت، كما أنها تعد منطلقا خلفيا للهجوم من الخلف على الأحياء المؤيدة للجيش السوري الحر داخل دمشق".

عن تغير دور الحزب منذ بداية الثورة وحتى الآن يقول غسان إبراهيم للجزيرة نت "اختلف حجم الانخراط مكانيا وزمانيا، فمكانيا ترى في بعض المناطق حتى الآن وجود الحزب فيها سطحيا، أما في مناطق أخرى فيكون وجوده إستراتيجيا، أما زمانيا فكان دور الحزب عند بداية الثورة تقديم المشورة والتي كانت جزءا من مشورة الحرس الثوري الإيراني"

وتعد منطقة الزبداني وما يجاورها -حسب التقرير ذاته- من أهم المناطق من الناحية الإستراتيجية ليس للنظام السوري فحسب وإنما أيضا للنظام الإيراني ولحزب الله، إذ تعتبر المنطقة بسبب موقعها الجغرافي -الذي يمتد في عمق التضاريس اللبنانية- الممر الحيوي والشريان الأساسي للإمدادات التي كان يتم إرسالها من إيران عبر سوريا إلى حزب الله، مما دفع الحزب إلى تكثيف معاركه محاولا السيطرة عليها في العديد من المرات ولكنه في النهاية اكتفى بمحاصرتها من الطرف اللبناني.

كما تم تسجيل حضور لمقاتلي حزب الله في منطقة بصرى الحرير بمحافظة درعا مؤخرا، وهي منطقة بعيدة جدا عن الحدود مع لبنان (نحو مائتي كلم). ويعتقد محللون أن تواجد عناصر للحزب في تلك المنطقة يرجع إما إلى أن هنالك خططا لاقتحامها، أو أن قوة النظام تتدهور فيها وهو بالتالي يحتاج إلى دعم.

بأي ثمن
وفي سياق القراءة السياسية لدور الحزب بسوريا، يرى الإعلامي السوري ومدير الشبكة العربية العالمية غسان إبراهيم أن الدور كان مرتبطا بشكل رئيسي في إبقاء النظام السوري ومنع سقوطه وانهياره بأي ثمن.

وعن تغير دور الحزب منذ بداية الثورة وحتى الآن يقول إبراهيم للجزيرة نت "اختلف حجم الانخراط مكانيا وزمانيا، فمكانيا ترى في بعض المناطق حتى الآن وجود الحزب فيها سطحيا، أما في مناطق أخرى فيكون وجوده إستراتيجيا، أما زمانيا فكان دور الحزب عند بداية الثورة تقديم المشورة والتي كانت جزءا من مشورة الحرس الثوري الإيراني".

ويعتقد إبراهيم أن إيران كانت تتوقع أن تتحول الثورة نتيجة القمع إلى عمل مسلح فجهزت حزب الله كي يكون درع حماية للنظام عندما يدخل بمرحلة حرب العصابات وأيضا مرحلة حرب تمشيط المناطق بعد استخدام سياسة الأرض المحروقة، على حد قوله.

يقول بسام الأحمد إن مركزه وثق "العديد من حالات الإعدام الميداني في مدينة القصير والنبك قام بها عناصر تابعون لحزب الله، كما وثقنا أيضا جريمة حصار مدن وبلدات جنوب العاصمة وأبرزها بيت سحم وببيلا

وبشأن الأسباب التي تمنع الحزب نشر أسماء وأعداد ضحاياه منذ انخراطه في المعارك داخل سوريا يجيب إبراهيم "لدينا هنا اعتباران: اعتبار داخلي معتمد على عدم إحباط معنويات جمهوره لأنه أصلا غسل أدمغتهم حتى ساقهم إلى سوريا فلا يمكن له الآن أن يحبط معنوياتهم لأن هذا الشيء سينعكس عليه داخليا".

أما الاعتبار الخارجي فيلخصه إبراهيم بالقول إن "أكبر خسارة تعرض لها حزب الله ليست فقط في الأرواح والعتاد وإنما سمعته وهيبته، لأنه كان حزبا مقاوما وأصبح مليشيا تقتل الشعب السوري، فهو هنا يسعى لإبقاء صورته على أنه حزب مقاوم لبناني، ولا يريد أن يكشف عن وجهه الحقيقي بأنه حزب وأداة إيرانية".

جرائم
وعلى الضفة الحقوقية المتعلقة بمشاركة حزب الله في حرب سوريا يرى بسام الأحمد الناطق باسم مركز توثيق الانتهاكات في سوريا أن حزب الله قد مارس جرائم ضد الإنسانية.

ويقول الأحمد إن مركزه وثق "العديد من حالات الإعدام الميداني في مدينة القصير والنبك قام بها عناصر تابعون لحزب الله، كما وثقنا أيضا جريمة حصار مدن وبلدات جنوب العاصمة، وأبرزها بيت سحم وببيلا التي كانت قوات الحزب مشاركة بشكل أساسي فيها".

المصدر : الجزيرة