تفيد مراجعة للتطورات الميدانية التي شهدتها سوريا خلال العام الثالث للثورة على النظام بأن قواته سجلت تقدما ملحوظا في محيط دمشق وفي حلب مستفيدة من أسلحة ضغط أهمها تجويع السكان، في حين حافظت المعارضة على مواقع في جنوب البلاد.

جنود سوريون خلف مواد قالوا إنهم غنموها لدى السيطرة على قرية قارة الواقعة بالقلمون في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (الفرنسية-أرشيف)

أحمد يعقوب

شهد العام المنصرم تغيرات ميدانية في سياق أحداث الثورة السورية لعل أبرزها تراجع قوات المعارضة المسلحة لصالح الجيش النظامي والميلشيات غير السورية المساندة له.

وكانت العاصمة دمشق أكبر ميدان للخاسرين لجهة اتساع سيطرة النظام السوري على حساب قوات المعارضة، التي كانت مسيطرة منذ عام سيطرة كاملة على أحياء وبلدات جنوب العاصمة ما عدا بضع قرى منها السيدة زينب.

أما اليوم فلم يبق من جبهات المواجهة بين الطرفين سوى مخيم اليرموك ومنطقتي القدم والعسالي إضافة لأجزاء من حي التضامن، وقد أخرج النظام من حساباته بقية الأحياء والقرى إما بالتهادن معها بعد حصارها لأكثر من عام، وإما بالسيطرة عليها عسكريا.

كما خسرت قوات المعارضة مناطق إستراتيجية في منطقة القلمون الجبلية أبرزها النبك وقارة، وحاولت التقدم نحو دير عطية والسيطرة على أجزاء منها، وبالفعل نجحت في ذلك، لكن النظام سرعان ما استعاد زمام المبادرة فيها. في حين بقيت يبرود أو "قلعة ثوار القلمون" -كما يحب أن يسميها أهلها- في خط مواجهة مباشر مع النظام والتي تتعرض اليوم لحملة شرسة من قبله وحلفائه.

وفي الغوطة الشرقية لا تغير يذكر، فمعارك الكر والفر مستمرة، ومن يسيطر على بلدة اليوم يفقدها غدا. وكذلك الحال في الغوطة الغربية، ولكن مع فارق هو أن مدينة معضمية الشام قد وافقت على هدنة النظام بعد أن قاتل الأخير قاطنيها بسلاح التجويع، وبالتالي خرجت من المعادلة الميدانية.

الأسباب الحقيقية
ويتحدث قائد الفرقة 11 قوات خاصة العميد أبو حسين للجزيرة نت عن الأسباب الحقيقية لخسارة المعارضة في دمشق وريفها قائلا "الدعم المحدود والخجول المخصص لدعم قوات المعارضة المعتدلة التي لا تعمل على تقديم ولاءات لا لدول ولا لأشخاص أحد أبرز أسباب هذه الخسائر المتعاقبة".

مقاتل من المعارضة يطلق النار على موقع لقوات النظام في حلب (الفرنسية-أرشيف)

وعن دور المجتمع الدولي، يضيف أبو حسين قائلا "بات جليا تواطؤ المجتمع الدولي مع النظام السوري من خلال التستر على جرائم النظام، وما نراه من قصف بالبراميل والطيران وكافة أسلحة القتل التي يستخدمها الأخير دليل على ذلك، كما أن النظام يستخدم سياسة التجويع التي أصدرت الأمم المتحدة بشأنها قرارا يلزم النظام بوقفها كليا، ولكن النظام كما هو معتاد لم يمتثل لذلك القرار ولم نرَ أحدا من المجتمع الدولي قد حرك ساكنا".

وفي الشمال السوري، وتحديدا في محافظة حلب، خسرت قوات المعارضة المسلحة مناطق إستراتيجية هامة كمنطقة السفيرة والمناطق المجاورة لها التي تعد من أبرز المناطق الإستراتيجية في سوريا، حيث تصل خط إمداد حماة بحلب، وأيضا توجد فيها معامل الدفاع التابعة لجيش النظام.

وخسرت المعارضة أيضا اللواء 80 ومنطقة النقارين المحاذيين لمطار حلب الدولي مما سهل على النظام بعد استرجاعهما إعادة المطار للخدمة جزئيا بعد خروجه منه منذ فبراير/شباط من العام الماضي. كما تقدم جيش النظام في حلب على أطراف المدينة على شكل قوس ويسعى إلى إطباقه كي يفصلها بشكل كامل عن الأرياف.

وكان الثوار قد تمكنوا خلال العام الماضي من تحقيق إنجازات غيّرت سير العمليات في حلب بدءا من تحرير خان العسل وحي الراشدين، مرورا بتحرير مطار منغ العسكري الذي بات تحريره الآن حلما بالنسبة للثوار، وانتهاء بالسيطرة على مستشفى الكندي وبلدة حندرات الواقعين على محاذاة سجن حلب المركزي لتضييق الخناق عليه.

تنظيم الدولة
ويعزو محللون سبب تراجع قوات المعارضة في حلب وريفها خصوصا في الأشهر الأخيرة إلى انشغالها بحرب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام التي بدأت رسميا في مطلع هذا العام مما دفع النظام لاستغلال الفرصة وكسب النقاط والتمدد على أطراف المدينة.

كما استطاع مقاتلون إسلاميون في العام الماضي تحرير مدينة الرقة في شمال سوريا في الرابع من مارس/آذار الماضي، الأمر الذي لم يدم طويلا بعد سيطرة تنظيم الدولة على المدينة وسط اتهامات له من نشطاء بارتكاب ممارسات تحد من الحرية الشخصية وتضيق على المسيحيين.

في محافظة حماة استطاعت المعارضة السيطرة على عدة قرى في ريفها، كما تمكنت من قطع الطريق السريع حماة إدلب الدولي للتضيق على قوات النظام وتحرير مدينة مورك الواقعة عليه، ولكن سرعان ما استطاع النظام بالقصف الصاروخي والمدفعي الكثيف استعادتها

وفي الساحل السوري كانت فصائل إسلامية قد وحدت صفوفها وتمكنت في أغسطس/آب 2013 من السيطرة على بلدات وقرى في محافظة اللاذقية، لكن سرعان ما حشد النظام قواته وأوقف هذا التمدد، علما أن مسافة كيلومترين فقط كانت تفصل بين الثوار ومدينة القرداحة مسقط رأس الرئيس السوري بشار الأسد.

أما في محافظة حماة فاستطاعت المعارضة السيطرة على عدة قرى في ريفها، كما تمكنت من قطع الطريق السريع حماة إدلب الدولي للتضيق على قوات النظام وتحرير مدينة مورك الواقعة عليه، ولكن سرعان ما استطاع النظام بالقصف الصاروخي والمدفعي الكثيف استعادتها.

خسارة القصير
ولعل أبرز ما شهدته حمص في العام المنصرم كانت معركة مدينة القصير، التي بدأت يوم 19 مايو/أيار المنصرم بعد سيطرة قوات المعارضة عليها، وخسرتها بعد معارك عنيفة مع قوات النظام ومليشيات حزب الله استمرت 18 يوما.

وعن حالة التراجع التي تواجه المعارضة المسلحة اليوم، يرى رئيس مجلس قيادة الثورة في ريف دمشق أبو العلا أن المعطيات الدولية وحالة التململ الثوري والشعبي هي الأسباب الرئيسية وراء ذلك.

ويقول أبو العلا للجزيرة نت "عمل النظام السوري كثيرا على محور التململ الشعبي الحاضن للجيش الحر، وزرع إسفينا كبيرا بين الثورة والحاضنة، وكان النظام قد عمل سابقا على اختصار الثورة بالصراع المسلح فقط".

وفي الجبهة الجنوبية تقدمت كتائب الثوار في درعا والقنيطرة في العديد من النقاط، وحافظ الثوار في محافظة درعا على تقدمهم في هذا العام، واستطاعوا فتح طرق إمداد لمحافظة القنيطرة، كما تمكنوا من قطع طرق إستراتيجية هامة كانت تغذي قوات النظام.

المصدر : الجزيرة