تتباين تفسيرات المعنيين بالمجال الفكري والسياسي في موريتانيا بشأن عدد من الوقائع التي عرفتها البلاد العاميين الماضيين والتي توضع في خانة النيل من المقدس، فبينما يعتبرها البعض مقدمات موجة إلحادية، يرى آخرون أن هناك توظيفا سياسيا لتك الحالة.

إحدى مظاهرات الاحتجاج على المقال المسيء (الجزيرة-أرشيف)

أحمد الأمين-نواكشوط

عرفت موريتانيا في السنتين الأخيرتين أحداثا اعتبرت مثيرة وغريبة، فقد أقدم زعيم "الحركة الانعتاقية" بيرام ولد اعبيدي عام 2012 على حرق مجموعة من أمهات كتب المذهب المالكي بحجة أنها تكرس الاسترقاق.
 
وبعد أكثر من سنة، كتب شاب موريتاني مقالا اعتبرت بعض مضامينه مسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يمض وقت طويل حتى جاءت حادثة تمزيق المصحف في حي تيارت بالعاصمة نواكشوط.
 
واستفزت تلك الحوادث المجتمع الموريتاني المعروف بمحافظته، وشعر البعض بأن أقدس ما يملك يتعرض للتهديد بفعل ما اعتبر "موجة إلحاد تجتاح موريتانيا" قد تكون وراءها أطراف تستهدف وحدة المجتمع الموريتاني المتعدد الأعراق والفئات. لكن آخرين ينفون وجود الإلحاد ويتحدثون عن "حراك فكري واجتماعي خارج الأنساق التقليدية". 

ويعدد القائلون بوجود الإلحاد جملة من الوقائع يعتبرونها دليلا قاطعا على ذلك. وفي هذا السياق يعتبر المسؤول الإعلامي لـ"منظمة آدم لحماية الطفل والمجتمع" -الناشطة في هذا المجال- محمد سالم الحسن أن الإساءة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتمزيق المصحف هي مظاهر لموجة الإلحاد.

وقال محمد سالم للجزيرة نت إن المنظمة سجلت مظاهر عدة تعتبر انتهاكا للمقدسات، من أبرزها الإساءة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم "عبر مقال مشبوه ونشر مقال مسيء للدين وللذات الإلهية ويروج للإلحاد في المجتمع الموريتاني، ونشر مواد مسيئة على صفحات التواصل الاجتماعي الموريتانية بقصد إهانة الدين والذات الإلهية والأنبياء والرسل".

وتحدث سالم عن كتابات بأسماء مستعارة على صفحات معروفة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأسماء أشخاص معروفين "يجاهرون بأفكارهم الإلحادية"، كما تحدث عن "حملة إلحادية خبيثة" موجهة إلى الشباب المراهقين وخاصة المدونين منهم بقصد تشكيكهم في الدين وفي القيم الأخلاقية للمجتمع".

 ولد إبراهيم: الحراك الفكري صراع أنساق  (الجزيرة)

توظيف سياسي
وخلافا لذلك، يرى الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي الحاج ولد إبراهيم أن موريتانيا لا تعيش موجة إلحاد، وأن المصطلح "استخدم لأغراض سياسية وبخلفيات اجتماعية". وقال للجزيرة نت "لا يوجد تيار إلحادي في موريتانيا وإذا كانت هنالك حالات اعتبرت إلحادا فهي ليست صريحة، بل هي مجرد خروج على النسق".

وأوضح أن الحراك الفكري الذي تعرفه موريتانيا "هو صراع أنساق، فهنالك نسق تقليدي محافظ مقابل أنساق جديدة تأخذ بمعطيات العصر، وتحاول أن تقدم قراءات للنصوص الدينية وللممارسات الاجتماعية في قضايا تهم الواقع الموريتاني كالرق وحرية المرأة والحرية الفكرية".

ويعترف ولد إبراهيم بأن هذا النسق الذي يطلق عليه صفة التيار الفكري "ينظر إلى المسائل العقدية نظرة تختلف عن النظرة التقليدية المحافظة التي توارثها المجتمع الموريتاني من خلال النسق المعرفي والفكري المحظري"، لكنه يؤكد أن الأمر لا يصل إلى مستوى الإلحاد، بل يبقى في إطار القراءات المعاصرة لنصوص الفقه.

ويعتقد ولد إبراهيم أن "مصطلح موجة الإلحاد "استخدم فزاعة من قبل جهات في الساحة الموريتانية لتمرير خطابها، وتوجيه اتهامات معلبة لمن يخالفها الرأي".

محمد المختار: ما نشهده ليس إرهاصات مرحلة جديدة (الجزيرة)

العامل الخارجي
أما الخبير الاجتماعي محمد المختار ولد محمد أحمد فيرى أن العنصر الأهم في ما يسميها كثيرون موجة إلحاد هو عنصر خارجي تتمثل أهدافه الرئيسية في ضرب العامل المشترك للأمة وزعزعة العقيدة ونزع القدسية عن كل ما هو مقدس.

وقال ولد محمد أحمد للجزيرة نت "هنالك عوامل أخرى محلية يمكن أن تتفاعل مع العامل الخارجي بخلق بيئة حاضنة له".

واعتبر أن "تموقع المرجعيات الإسلامية في مواقع سياسية موالية أو معارضة أفقدنا الناظم الديني المنزه أو المزكى الذي كان يمثل رادعا ضد المساس بالمقدس".

وأضاف "ما نشهده ليس تعبيرا عن إرهاصات مرحلة جديدة، ولا تغيرا في نظام القيم الاجتماعي، وهو آلية لانتزاع مكاسب سياسية أو اجتماعية، أكثر مما هو ظاهرة بنيوية".

المصدر : الجزيرة