مدينة الرقة أو "إمارة الرقة" أصبحت مقراً رئيسياً لما يُسمى تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام". لافتات وكتابات تملأ جدران شوارع المدينة تدعو الأهالي للتقيد بالشريعة الإسلامية، وفُرضت جزية على المسيحيين مقدارها أربعة دنانير ذهب عن كل فرد غني.

علم تنظيم الدولة يرفرف فوق مبنى بمدينة الرقة السورية (الفرنسية)

في وسط الرقة السورية رُفع فوق مبنى المحافظة علم أسود على سارية هي الأطول في المدينة، إنه العلم الذي يتخذه تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" شعاراً له. فما هي قصة هذا التنظيم مع مدينة الرقة؟

مدينة الرقة أو "إمارة الرقة" أصبحت مقراً رئيسياً لما يُسمى تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام". لافتات وكتابات تملأ جدران شوارع المدينة تدعو الأهالي إلى التقيد بالشريعة الإسلامية وفق منظور التنظيم.

أغلب المقرات الحكومية سابقاً تحولت إلى مكاتب للتنظيم، وأصبحت كنيسة سيدة البشارة وسط الرقة المكتب الدعوي له، إذ قام عناصر من التنظيم في 26 من سبتمبر/ أيلول العام الماضي بإنزال الصليب من على الكنيسة.

هذا التطور لم يمر مرور الكرام، إذ رفضه نشطاء المدينة يومها، وقادت الناشطة سعاد نوفل ومجموعة من الناشطين مظاهرة مناهضة مستنكرة الحدث، حاملين فيها الصليب ليعيدوه لداخل الكنيسة. المظاهرة تسببت في تشكيل خطر على حياة سعاد مما أرغمها على الخروج من المدينة، فهي تقيم الآن في تركيا.

تورا بورا
عندما يعلو صوت الأذان، يُهرع سكان المدينة إلى أقرب جامع لأداء الصلاة. أصحاب المحلات التجارية عليهم إغلاقها والذهاب لأداء الصلاة جماعةً. التنظيم فرض قوانين وتشريعات على سكان المدينة "تعود إلى القرون الوسطى" وفق الناشطين. إذ "يجلد سبعون جلدة كل من يتلفظ بكلمة داعش" و"تُمنع الفتاة من ارتداء الجينز والكنزة، وعليها باللباس الإسلامي كالنقاب والبرقع".

كما "يمنع وضع الملابس النسائية على واجهات المحلات ويجب أن يكون البائع امرأة".

كما يجب أن "تغلق محال الخياطة النسائية في حال وجود ذكر في المحل؛ ويمنع زيارة النساء الأطباء بقصد المعالجة وعليهنَّ زيارة الطبيبات حصراً".
من الشعارات التي ملأت شوارع الرقة (دويتشه فيلله)

ومنع التنظيم تدخين السجائر والنرجيلة، وأمر بإغلاق صالونات الحلاقة الرجالية ومنع تقصير شعر الرجال والفتيان. كما أصدر تعليمات تمنع الشبان من تسريح شعرهم بقصات حديثة أو وضع أي مادة على الشعر.

وتعلق سعاد نوفل على هذه الأحداث قائلة "أنا مُحجبة منذ 25 عاماً، لأنني قررت أنّ أتحجب ولم يفرض عليّ أحد الحجاب، المسألة حرية شخصية وقناعة ولا تأتي بالإكراه أبداً. ما يفعله تنظيم الدولة هو نوع من ممارسة السلطة الاستبدادية تحت غطاء الإسلام ولكنها بعيدة كل البعد عنه، هي بذلك الفعل القسري والترهيب والجلد تعمد إلى تشويه الإسلام".

ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ قامت كتيبة الخنساء التابعة للتنظيم باعتقال عشر طالبات في المرحلة الثانوية بمدينة الرقة عند قيامها بجولة تفتيشية على إحدى المدارس الثانوية.

وجاء اعتقال الطالبات بحجة أن النقاب الذي يرتدينه غير شرعي وأنهن وضعن المكياج على وجوههنّ تحت النقاب. كما اعتقلت الكتيبة فتاتين من وسط المدينة وزعمت أنهما خلعتا النقاب عن وجهيهما، وحكمت عليهما قاضية تابعة للتنظيم بالجلد ثلاثين جلدة.

وعن ردود فعل الأهالي لممارسات التنظيم، قالت سعاد إن "من بقي من الأهالي يُنفّذ القرارات، ليس محبة بل خوفاً من العقاب. فنحن مسلمون ولا نحتاج إلى من يعلمنا ديننا، وقضيتنا ليست قضية حجاب ونقاب بل قضية حرية من حاكم استعبدنا وزبانيته 43 عاماً".

الجزية
وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اقتحم مقاتلون من تنظيم الدولة مقر راديو "أنا" في الرقة والمحسوب على المعارضة، واستولوا على المعدات الخاصة بالبث والاتصالات ما أدى إلى إيقاف عمل الإذاعة وإغلاقها.

محّرر ومسؤول القسم السياسي براديو "أنا" الصحفي أحمد كم الماز أكد أنّ تنظيم الدولة "أخذ من جديد دور سلطة الأمر الواقع، ليمارس أداءً معادياً للإعلام الحر. إنه يعادي أي نشاط يعارض توجهاته أو يختلف معها". وأضاف "ممارسات التنظيم أعادت السوريين إلى نقطة الصفر".

لم تمس ممارسات التنظيم المسلمين فقط، إذ فرض جزية على مسيحيي المدينة تُدفع عن كل ذكر منهم مقدارها أربعة دنانير من الذهب على الأغنياء، ونصف ذلك على متوسطي الحال، ونصفها على الفقراء" فيما سُمِّي بـ "أول عقد ذمة بالشام بين الدولة الإسلامية ونصارى ولاية الرقة".

ونص عقد الذمة أيضاً على أنْ "لا يحدثوا (النصارى) بمدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب منها، ولا يُظهروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيء من طرق المسلمين أو أسواقهم، ولا يستعملوا مكبرات الصوت عند أداء صلواتهم وكذلك سائر عباداتهم".

المصدر : الجزيرة + دويتشه فيلله