بدأت نذر مواجهة بين روسيا والغرب تطل برأسها على خلفية التطورات المتسارعة للأزمة السياسية بأوكرانيا في وقت تصاعدت فيه نبرة الانتقادات المتبادلة بين الطرفين. ويرى بعض الخبراء الروس أن موسكو لن تلجأ لاستخدام القوة الخشنة، بل ستستعيض عنها بالقوة الناعمة.

خريطة توضح موقع شبه جزيرة القرم الأوكرانية (الجزيرة نت)

أشرف رشيد-موسكو

تتزايد حدة التوتر بين روسيا والغرب ممثلاً بالولايات المتحدة وأوروبا على خلفية الأزمة الأوكرانية التي أعقبت الإطاحة بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش الأسبوع الماضي بعد موجة احتجاجات شعبية دامت ثلاثة أشهر.

ففي لهجة تصعيدية، حذر وزير الخارجية الأميركي جون كيري موسكو من مغبة استخدام القوة لفرض حلول على أوكرانيا، مما ينذر بأن تأخذ الأزمة المتفاقمة في الجمهورية السوفياتية السابقة أبعاداً أخرى أكثر خطورة.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أصدر تعليماته للقوات المسلحة الروسية في غرب ووسط روسيا برفع جاهزيتها القتالية، في حين أعلن وزير الدفاع سيرغي شويغو وضع سلاح الطيران في تلك المنطقة في حالة تأهب.

يجيء هذا التطور في وقت أعلن فيه وزراء دفاع دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) أنهم سيواصلون دعم استقلال وسيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها.

يوري زينين:
روسيا لن تلجأ لاستخدام القوة العسكرية المباشرة ذلك أن أمامها هامشاً واسعاً للتحرك في إطار "القوة الناعمة دون الحاجة للجوء للقوة الخشنة"

القوة الناعمة
ويعتقد الخبير في الشؤون الأوكرانية يوري زينين أن روسيا لن تلجأ لاستخدام القوة العسكرية المباشرة ذلك أن أمامها هامشاً واسعاً للتحرك في إطار "القوة الناعمة دون الحاجة للجوء للقوة الخشنة"، وذلك برفضها الاعتراف بالسلطات الأوكرانية الجديدة على أساس أنها غير شرعية، وأنها انتهكت الاتفاقية التي وقعت لتسوية الأزمة بحضور ثلاثة وزراء خارجية أوروبيين ولم تنفذ أياً من بنودها.

وقال زينين في حديثه للجزيرة نت إن بإمكان روسيا العمل من خلال مجلس الأمن للطعن في شرعية هذه السلطات، واستخدام ورقة وجود يانوكوفيتش في روسيا للضغط على كييف والغرب، وإبراز أن هناك جهتين تتنازعان السلطة في أوكرانيا "إحداهما شرعية والأخرى استبدادية اغتصبت السلطة".

وأضاف أن باستطاعة روسيا استخدام نفوذها في منطقة شبه جزيرة القرم بما لها من إرث تاريخي وارتباط بسكان هذه المنطقة لممارسة ضغوط على السلطات لكي تثبت للعالم وجود انقسام داخلي، وأن هناك طرفا آخر في المعادلة رافض للوضع الراهن، وبالتالي توصل رسالة للغرب بالتريث في الاعتراف بالسلطات الحالية وضرورة إيجاد معالجات سياسية.

وفيما يتعلق بأسطول البحر الأسود في مدينة سيفاستوبل، اعتبر زينين أنه يلعب دوراً داعماً للسلطات المحلية في القرم للاطمئنان على أن السلطات المركزية لن تستخدم القوة ضدهم.

ولفت إلى أن روسيا مخولة بأن تطالب السلطات الأوكرانية بتسديد مديونية الغاز التي بلغت أربعة مليارات دولار، وإذا لم تلتزم كييف بذلك فسيكون من حق موسكو أن توقف ضخ الغاز، حسب تعبيره.

فيلاتوف: روسيا لن تتهاون إذا حدثت تجاوزات لخطوطها الحمر (الجزيرة نت)

خيارات الحرب والسلم
أما المناورات العسكرية التي تجري في مناطق مختلفة بالقرب من الحدود الأوكرانية، فيرى زينين أنه يمكن استخدامها وسيلة ضغط دون أن يصل ذلك إلى حد الاستخدام الفعلي للقوة.

ومضى إلى القول إن روسيا أبقت الباب مفتوحاً للتسوية، إذ إنها لم تقطع علاقاتها مع كييف، كما أن الرئيس بوتين أعطى تعليماته بمواصلة الاتصالات والتعاون مع الجانب الأوكراني في جميع المجالات، وتقدم باقتراح لإجراء مشاورات مع الهيئات المالية العالمية لإيجاد خطة لإنقاذ أوكرانيا.

أما سيرغي فيلاتوف المحلل السياسي في مجلة "ميجدونارودنايا جيزن" المتخصصة في الشؤون الدولية، فيرى أن ما قاله كيري يتماشى مع الطريقة الأميركية في التعاطي مع الأزمات، وهو يظن أن روسيا ستتبع النهج ذاته، ذلك أن استخدام القوة مبدأ أميركي معروف جلب الدمار إلى أماكن عديدة من العالم، أما إقدام روسيا على شن حرب ضد أوكرانيا فهو "أمر غير وارد" فالعلاقة بين البلدين "أكبر من ذلك بكثير".

فيلاتوف:
الغرب لا تراوده نية حقيقية في الدخول في مواجهة مع روسيا، وإنما يكتفي بتوجيه رسائل التحذير لموسكو بعدم التصعيد والالتزام بضمان سيادة ووحدة الأراضي الأوكرانية

أمر طبيعي
واعتبر فيلاتوف أن تنظيم روسيا مناورات عسكرية "أمر طبيعي" في ظل وجود توتر قرب حدودها وهو "إجراء احترازي"، لكنها في الوقت نفسه لن تتهاون في حال حدوث تجاوزات تمس الخطوط الحمر الروسية مثل لجوء السلطات في كييف إلى استخدام القوة لإخضاع الأقاليم الشرقية، على حد تعبيره.

وأضاف المحلل السياسي أن الخطوط الروسية الحمر تشمل الاعتداء على المواطنين الأوكرانيين من أصول روسية، أو مواصلة الاعتداءات على دور العبادة والكنائس الأرثوذكسية، وعلى المصالح الروسية في أوكرانيا.

كما أن روسيا -في تقديره- لا يمكن أن تسكت إذا فُرض أمر واقع على شبه جزيرة القرم المتمردة، أو اقتراح ضم أوكرانيا إلى حلف الناتو. 

وباعتقاد فيلاتوف فإن أوكرانيا ستبقى منطقة شد وجذب بين روسيا والغرب، متهماً الأخير بأن له أيادي مباشرة في إدارة وتغذية الفوضى في أوكرانيا، وأنه لا يريد أن يرى أوكرانيا مستقرة، وإنما يريدها مضطربة لكي تُصَدِّر الاضطرابات لروسيا، "وهذه سياسة أميركية معروفة".

من الناحية العسكرية اعتبر فيلاتوف أن الغرب لا تراوده نية حقيقية في الدخول في مواجهة مع روسيا، وإنما يكتفي بتوجيه رسائل التحذير لموسكو بعدم التصعيد والالتزام بضمان سيادة ووحدة الأراضي الأوكرانية.

وأشار إلى إمكانية لجوء الغرب في مرحلة لاحقة إلى فرض عقوبات على روسيا من جانب أحادي "لأنه لن يستطيع تمريرها عبر مجلس الأمن لوجود روسيا والصين" فيه.

المصدر : الجزيرة