محافظة غرداية تشهد نزاعا مذهبيا وعرقيا تحول إلى عنف خرج عن سيطرة الدولة (الجزيرة نت)
ياسين بودهان-الجزائر


انتقدت جهات حقوقية وسياسية طريقة تعاطي السلطات الجزائرية مع ملف "العنف المذهبي" الذي تشهده محافظة غرداية جنوبي الجزائر منذ مدة، ودعت إلى احتواء الوضع قبل أن يأخذ منحى له عواقب وخيمة على أمن المحافظة والمناطق المجاورة لها.
 
يأتي ذلك بعد أن تجددت الثلاثاء الماضي المواجهات العرقية بين الميزابيين الإباضيين وهم من الأمازيغ والمالكيين وهم من العرب في عدة أحياء من المحافظة، وهو ما استدعى تدخلا من قوى الأمن لفرض الهدوء.
 
وتسببت المواجهات في مقتل أربعة أشخاص وجرح العشرات من المواطنين، كما تعرض العديد من المحلات التجارية والوحدات السكنية لعمليات نهب وحرق في أحياء غرداية بريان القرارة منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي.
 
وبسبب تطور الأوضاع، زار وزير الداخلية الطيب بلعيز وقائد الدرك ومدير الأمن العام غرداية الخميس. ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية عن بلعيز قوله إن "الدولة عازمة على تطبيق قوانين الجمهورية بكل صرامة تجاه من يمس بأمن شخص وممتلكاته".
 
وكشف الوزير عن إنشاء مركز عملياتي للأمن، مع مضاعفة قوى الأمن في المحافظة إلى نحو أربعة أضعاف، ونقلت وسائل إعلام محلية أن عناصر الأمن اعتقلت يومي الخميس والجمعة حوالي 30 شخصا، فيما تم تخريب نحو 100 بيت ومحل تجاري.
صالح: الفارق الاجتماعي تحول إلى عنف مذهبي وعرقي في غرداية (الجزيرة نت)

هوة اجتماعية
وعن خلفيات الصراع أوضح النائب البرلماني الأسبق أبو بكر صالح أحد أعيان منطقة القرارة التابعة للمحافظة للجزيرة نت أن الصراع سببه تراكمات قديمة تعود إلى بدايات الاستقلال.

ويضيف أن خصوصية المنطقة أنها تتكون من مجتمعين، بني مزاب يتبعون المذهب الإباضي استقروا في وادي ميزاب منذ نحو عشرة قرون، وبعد الاستقلال بدأ العرب الرحل يستقرون حول مدن غرداية وتكونت أحياء جديدة، لكنه يشير إلى أن الفارق الاجتماعي والمادي بين المجتمعين بات يستغل لإثارة الفتنة.

ويضيف أن المجتمع الميزابي "استطاع أن يهيكل نفسه ويعتمد على نفسه ويستغني عن الدولة، وهو مجتمع محافظ ولديه هيئة علماء تفرض الانضباط بصرامة شديدة، وهو معروف أيضا بوضعه المادي لأنه ممارس للتجارة والزراعة".

وهذا الانضباط في السلوك برأيه "خلق هوة اجتماعية سحيقة بين المجتمعين الميزابي والعربي"، ويفتقد العرب برأيه للتنظيم الاجتماعي الموجود لدى الميزابيين، لذلك تكون نوع من "عدم الرضا" تجاه الميزابيين الذين يعيشون أحوالا اجتماعية جيدة مقارنة بالعرب، وعوض توجيه هذه المطالب الاجتماعية للسلطات الرسمية كغيرهم من الجزائريين لجؤوا إلى "حرق المحلات التجارية وسكنات جيرانهم وإخوانهم".

وعن حديث البعض عن كون الصراع طائفيا أوضح صالح أن "الأحوال الاجتماعية هي السبب المباشر للصراع، لكن من أجل إذكاء نار الفتنة يعطي البعض للصراع أبعادا طائفية وعرقية".

وشدد على أن المذهبين الإباضي والمالكي براء من هذه الفتنة، ولا توجد أي فتوى شرعية ولا دعوة من أئمة المذهبين لتأجيج الفتنة.

لكنه أوضح أن هناك أحداثا أخرى متعلقة أحيانا بكرة القدم، وأحيانا بالأراضي، وأحيانا بالسكن أو بالانتخابات البلدية، تستعمل لإثارة النزاع الطائفي.

بن بيتور: الدولة غير قادرة على حماية الأفراد وممتلكاتهم (الجزيرة نت)

الدولة المميعة
من جانبه أكد رئيس الحكومة الأسبق المرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة أحمد بن بيتور للجزيرة نت أن ما يحدث في غرداية هو مؤشر قوي لوصول الجزائر إلى مرحلة الدولة المميعة، وهي المرحلة التي يقول إنه تنبأ بها منذ 2001، ومن مؤشرات ذلك برأيه "عدم قدرة الدولة على حماية الأشخاص وممتلكاتهم وعدم قدرتها على فرض القانون".

وفي تقدير بن بيتور الذي ينحدر من محافظة غرداية فإن ما يحدث مشكلة تفوق مستوى تدخل الأشخاص، ونفى أن تكون للأزمة دوافع سياسية، أو ارتباط بالصراع الدائر بشأن الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وفي بيان حصلت الجزيرة نت على نسخة منه نددت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان بطريقة تعامل السلطات الجزائرية مع الملف، واتهمت هذه السلطات بـ"الارتجالية" في التعامل مع الوضع، وترى الرابطة أن هذه الأحداث تهدف إلى "القضاء على خصوصيات المجتمع الميزابي"، لأنها تستهدف حسب البيان المقابر والمؤسسات العرقية الميزابية بالتخريب والتحطيم والتدنيس من طرف عصابات وصفها بـ"البلطجية".

إلى ذلك أصدر مجلس شورى حركة النهضة أمس بيانا حصلت الجزيرة نت على نسخة منه اعتبر فيه أن استمرار حالة الاحتقان والتوتر بغرداية أمر "بالغ الخطورة"، في حين انتقدت زعيمة حزب العمال لويزة حنون أمس في ندوة صحفية طريقة تعامل السلطات مع الملف واتهمتها باعتماد سياسة الهروب إلى الأمام في إدارة الملف.

المصدر : الجزيرة