مسنون ومقعدون وأطفال في مخيم اليرموك ينتظرون توزيع المساعدات (الجزيرة نت)

سلافة جبور-دمشق

كان كافيا أن تخبرنا أم محمد -التي خرجت مع عائلتها من مخيم اليرموك- أن ثمن كيلو الأرز في المخيم يبلغ 15 ألف ليرة سورية (نحو مائة دولار)، لنعرف حجم معاناة آلاف السكان المحاصرين منذ يوليو/تموز الماضي والذين باتوا عنوانا للموت والجوع.

وتروي أم محمد التي تبدو مظاهر الهزال الشديد على أطفالها الأربعة، رغم منحها أرغفة خبز ووجبات طعام، أنهم كانوا يعيشون في الأيام الماضية على حساء البهارات، ونبتة "رجل العصفور"، وتضيف أنها لم تعد تملك ما تقدمه لأطفالها، "وها نحن اليوم مشردون بعيداً عن رب العائلة الذي آثر البقاء في المخيم خوفا من الاعتقال".

وتختم حديثها للجزيرة نت بصوت غير واضح بعدما غلبه البكاء، "أنا وأطفالي وسكان المخيم لن ننسى أو نسامح كل من خذلونا، وتركوا المخيم دون معين يصارع الموت والجوع".

قد تكون الصور الواردة يومياً من مخيم اليرموك هي الأكثر قسوة في المشهد السوري، ومنها صور لعائلات تقف في صف طويل بانتظار بعض المعونات الغذائية التي قد تجنبهم الموت، وأخرى لنساء يحملن صناديق المعونات ويسرن بها وسط الدمار والركام للوصول إلى أطفالهن الجياع.

سيدة في مخيم اليرموك بعد استلامها
صندوق المساعدات الغذائية (الجزيرة نت)

رحمة الجلاد
ويروي الذين استطاعوا الخروج من المخيم حكايات مؤلمة ومؤثرة لا يُمكن تخيل حدوثها في القرن الـ21.. يقول أحدهم إن "الجلاد قرر أن يرحمنا لساعات، ويرفع حكم الموت عن بعض أولئك المحاصرين ليخرجهم إلى الحياة، وذلك بعد وفاة أكثر من ثمانين شخصاً داخل المخيم بسبب نقص الغذاء والدواء".

فبعد سبعة أشهر من الحصار المفروض على آلاف الأشخاص في المخيم، أجلى الهلال الأحمر الفلسطيني المئات من السكان بدءاً من يوم الجمعة الماضي، بالتنسيق بين الحكومة السورية والفصائل الفلسطينية العاملة ضمن المخيم، كما وُزّع أكثر من ألفي طرد من المعونات الغذائية منذ مطلع الأسبوع الفائت على الأهالي المحاصرين.

ويروي الناشط جهاد شهابي من داخل المخيم للجزيرة نت بعض تفاصيل عملية الإجلاء، فيقول إن من خرجوا هم بعض المرضى والعجزة والذين تولى الهلال الأحمر الفلسطيني رفع قوائم بأسمائهم، أو الطلاب الذين كانت الهيئة الوطنية مسؤولة عن إخراجهم، أو المدنيون الذين يملكون "واسطة"، أي شخصاً متنفذاً يساعدهم على الخروج.

تنظيم عملية الإجلاء كان سيئاً للغاية، فمن يملك واسطة استطاع وضع اسمه عند الجبهة الشعبية-القيادة العامة المسؤولة على الحاجز، ثم تتم مناداة اسمه كي يخرج، يشرح شهابي.

ويشير إلى اعتقالات على الحاجز لبعض الطلاب الذين حاولوا الخروج، وكذلك بعض المدنيين الذين كانوا يستلمون المساعدات الغذائية، حيث بلغ عددهم نحو خمسين شخصاً في الأيام القليلة الماضية.

المئات من سكان مخيم اليرموك في انتظار توزيع المساعدات الغذائية (الجزيرة نت)

أصحاب الواسطات
ويؤكد شهابي وجود أكثر من 400 حالة الآن بحاجة إلى العلاج خارج المخيم، فمعظم من خرجوا هم من "أصحاب الواسطات"، وبقيت الكثير من الحالات الإنسانية والمرضية التي ليس لها أحد، عاجزة عن الخروج.

ويخلص إلى أن ما حدث حتى الآن لا يُعد عملية إجلاء، لأن أغلب من خرجوا هم الأقل حاجة لذلك. وتابع أن الإجلاء الحقيقي يحدث عندما يتم فتح الحاجز، فمعظم السكان هنا لم يعودوا راغبين بالبقاء في ظل هذا الحصار المرير.

أما عن توزيع المساعدات، فقال شهابي إنها كانت أيضاً عملية عشوائية، فعلى المدنيين الخروج إلى الحاجز لاستلام المساعدات مما أحدث فوضى كبيرة أثناء عملية التوزيع. إلا أنه يؤكد حصول تعاون رائع بين الأهالي، فمن حصل على صندوق للمعونات يتقاسمه مع غيره، ومن فاضت عنه كمية الطعام يبحث عمن يشاركه حصته.

غير أن المؤسف -كما يقول شهابي- استمرار حدوث الوفيات، حيث توفي أمس الاثنين ثلاثة أشخاص بينهم طفل بسبب سوء التغذية والجفاف، ويضيف أن مزيداً من تلك الحالات متوقعة الحدوث.

فهذا الموت هو نتيجة الحصار المفروض منذ سبعة أشهر، ودخول بعض المساعدات اليوم لن ينقذ من فتك بهم الجوع أشهرا طويلة، يخلص شهابي.

المصدر : الجزيرة