الحرب التي تدور رحاها اليوم بين رفقاء سلاح الأمس في جنوب السودان، أدخلت الدولة الوليدة في خضم أزمات طاحنة بعدما تمترست أطراف الصراع خلف القبيلة وحادت الحركة الشعبية لتحرير السودان -كما يرى البعض- عن مبادئها، فأضحى الحل أكثر تعقيداً.

نازحون مدنيون في جوبا فروا من جحيم القتال بين قوات الحكومة والمتمردين بجنوب السودان (أسوشيتد برس)

أجوك عوض الله جابو-جوبا

يدور جدل وسط النخبة السياسية والمثقفة في جنوب السودان بشأن انزلاق الدولة الوليدة في حرب طاحنة وهي لمّا تُكمل ثلاث سنوات على انفصالها عن الدولة الأم.

ولم يشفع لمن قادوا الكفاح من أجل الانفصال كفاحُهم، فسرعان ما وجدت الدولة التي نالت وضعها كدولة مستقلة يوم 9 يوليو/تموز 2011، نفسها على شفا الانهيار إثر الصراع العنيف الذي اندلع بين قوات حكومة جنوب السودان بقيادة الرئيس سلفاكير ميارديت والمتمردين بزعامة نائبه السابق رياك مشار.

يقول رمضان محمد عبد الله السكرتير الإعلامي والناطق الرسمي المكلف باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان، إن ثمة قياديين داخل الحركة التي كانت وراء نيل جنوب السودان استقلاله، غلَّبوا المصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية فكان ما كان من أزمات طاحنة تهدد مستقبل البلاد.

وفي المقابل يعتقد الأمين العام لحزب الجبهة الديمقراطية ديفد وليام فى حديثه للجزيرة نت أن نضال الحركة الشعبية لم يكن لاستقلال جنوب السودان، "فقد ناضلت من أجل سودان موحد يقوم على إحداث تغيير في نظرة المركز تجاه الهامش، ولكن إرادة الجنوبيين واجتهاد الأحزاب الجنوبية شكلت ضغوطاً عليها مما اضطرها لتغيير إستراتيجيتها".

ويدلل وليام على ذلك باحتفاظ الحركة الشعبية في السودان ودولة جنوب السودان باسم واحد، مما يعني أن مشروعها من أجل سودان موحد لا يزال قائماً، على حد تعبيره.

ويوافق هذا الرأي أستيفن شانج المراقب السياسي ومستشار تحرير صحيفة "المجهر السياسي" بجنوب السودان، ويعتبر أن الحركة الشعبية حركة "تحررية ومتأرجحة الأفكار والرؤى" منذ انطلاقتها الثانية عام 1983 "عندما كانت تدعو إلى حكم السودان على أساس يراعي التنوع، في ما كانت تطلق عليه حينها نظرية السودان الجديد".

سلفاكير (وسط) وإلى يمينه مشار أيام الصفاء (رويترز)

غير أن محمد عبد الله نفى في حديثه للجزيرة نت أن تكون قناعة الحركة الشعبية قد تغيرت لضعف الإيمان بالقضية أو لهشاشة قناعاتها.

وفي ذلك يقول إن مبادئ الحركة لم يطرأ عليها تغيير، "فحركات التحرر ما إن تفرغ من مهام التحرر الوطني حتى تتعرض لمشكلات داخلية، فبعضها ينجح في حلها والبعض الآخر تتصدع بنياته الداخلية، وتجربة الحركات المختلفة من حولنا تقدم لنا دروساً يمكن الاستفادة منها في تجنب هذه المشكلات".

على أن ديفد وليام يرى أن دائرة الخلاف داخل الحركة تتسع على نحو أكبر من أن تُحصر في عبارة "مشاكل داخلية"، فالاقتتال والفتنة -كما يسميها- التي حدثت في جنوب السودان مؤخراً هي نتيجة مباشرة لفشل المثقفين والسياسيين في وضع برنامج تسير على نهجه الدولة الجديدة.

ويضيف أن كل طرف من أطراف الصراع الدائر في جنوب السودان يستقوي بالقبيلة، كما أن الحركة الشعبية لم تعد تملك برنامجاً واضحاً لتقدمه للشعب بعد الانفصال، "فلم يكن ثمة مناص إزاء ما حدث من التقوقع في حضن القبيلة من أجل البقاء".

 ويؤكد شانج ما ذهب إليه وليام بالقول "نستغرب ما حدث في جنوب السودان وفشل قادتها في إداراتها لثلاث سنوات منذ انفصالها!"، واصفا قيادة الحركة الشعبية بأنها "فاقدة للإرادة السياسية الحرة والرؤى والمقدرة على التطوير واستصحاب متغيرات الواقع".

وكان من نتاج ذلك الفشل -يضيف مستشار تحرير "المجهر السياسي"- أن انتشر الفساد سريعاً في جسد الدولة الواهن، وتشرذم القادة داخل كياناتهم القبلية والعشائرية، وتكونت مليشيات تتبع لهم، فتحولوا إلى "أمراء حرب، فكان أن سقطت الدولة في مستنقع الفشل المزمن تبعاً لفشل الحركة الشعبية نفسها".

ورغم سيل الاتهامات الموجهة للحركة الشعبية فإن الناطق باسمها محمد عبد الله يبدي تفاؤلاً إزاء المستقبل، قائلاً إن ما حدث بحاجة إلى مراجعة من الجميع للبحث عن حلول من شأنها إخراج البلاد من أزمته الراهنة.

المصدر : الجزيرة