ترى مدينة البيضاء الليبية نفسها مفجرة ثورة 17 فبراير التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، معتبرة أن سقوط قتيلين في مظاهرة قبل يوم من موعد بدء الثورة كان شؤما على النظام، لا في مدينتهم وحدها بل في ليبيا كلها.

جدارية في البيضاء تخليدا لليمني الذي قتل مع انطلاق الثورة الليبية (الجزيرة)

شاهر الأحمد-البيضاء

تفخر مدينة البيضاء (شرق ليبيا) بأنها أولى المدن الليبية تقديما لدماء أبنائها لإشعال ثورة 17 فبراير التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، وتمثل لذلك بسقوط الشابين سعد حمد اليمني وخالد ناجي خنفر قتلى في مواجهة مع رجال الأمن مما ساعد على تأجج الثورة في البيضاء ابتداء ثم في باقي ليبيا.

وقصدت الجزيرة نت المدينة الواقعة في الجبل الأخضر -وهي مدينة حباها الله بجمال طبيعي يأسر الألباب- لزيارة عائلتي القتيلين، والتعرف على حادثي مقتلهما على يد قوات نظام القذافي يوم 16 فبراير/شباط 2011.

أوضح حمد والد سعد أن ابنه قضى وهو في سن 21 عاما خلال مظاهرة بسيطة، مشيرا إلى أن سعد كان استأذنه قبل خروجه. وأضاف أن ابنه كالعديد من الشباب كانوا قد تأثروا بثورتي مصر وتونس، وأن الحماس لتغيير الوضع بليبيا دفعهم للمشاركة في المظاهرة.

عائلة اليمني: سعد كالعديد من الشباب تأثروا بثورتي مصر وتونس (الجزيرة)

وعن تلقيه نبأ مقتل ابنه، أوضح الحاج حمد أنه لم يكن يتوقع أن يسقط قتلى في تلك المظاهرة، ففوجئ بسقوط قتيلين وعشرات الجرحى، وأنه عندما راجع المستشفى للتعرف على جثة ابنه فوجئ بحجم الدماء على أرضية الغرف في المستشفى. وذكر أن سبب الوفاة جاء نتيجة الإصابة بطلق ناري في الرأس والرقبة.

وقال العديد من رفاق اليمني الذين شاركوا معه في المظاهرة إنه قد أوصاهم قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بعبارة "كملوا راكم تبيعونا" أي عليكم إكمال طريق الثورة وإياكم أن تبيعوا دماء من سقطوا، واشتهرت هذه العبارة عن اليمني وأخذ الثوار يرددونها ويضعونها شعارا للثورة.

ليبيا تستحق
وغير بعيد توجهنا إلى بيت خالد ناجي خنفر الذي قتل في مظاهرة أمام مبنى الأمن الداخلي في نفس اليوم، بعد أن اخترقت رصاصة صدره وخرجت من كتفه، عن عمر 22 عاما وكان وقتها طالبا في الجامعة.

ويستذكر ناجي خنفر والد خالد أنه عندما علم بالإعداد للمظاهرة في البيضاء حاول منع ابنه من الخروج خشية عليه أن يعتقل من قبل قوات القذافي، وحذره بأن الاعتقال سيكون صعبا ومريرا، لكنه استبعد أن يُقتل.

من جهتا قالت والدة خالد إنها حثته على المشاركة في المظاهرة رغبة في تخليص البلاد من "الحكم الدكتاتوري الظالم الذي جثا على صدورنا عقودا كثيرة وحرمنا من خيرات البلاد"، مضيفة أنها حمدت الله كثيرا عند سماعها خبر سقوط ولدها وأنها "تحتسبه شهيدا عند الله فداء لليبيا.. وليبيا تستحق". وأملت أم خالد في ختام كلامها "زوال بقايا النظام السابق حتى يرتاح الشهداء في قبورهم".

والدة خالد خنفر حثته على المشاركة في المظاهرة رغبة في تخليص البلاد (الجزيرة)

حماقة النظام
وتعليقا على خروج البيضاء في أول مظاهرة إبان الثورة الليبية، قال رئيس جامعة عمر المختار في البيضاء عقوب عبد الله عقوب إن شباب البيضاء خرجوا في مظاهرة بسيطة يوم 16 فبراير/شباط 2011 مستبقين الموعد المحدد للغضب الليبي العام بيوم واحد، وذلك جراء حماسهم الشديد وتطلعهم للتغيير في بلادهم.

وأضاف عقوب -وهو عضو سابق بالمجلس المحلي بالبيضاء- أن "حماقة النظام في التعامل مع أعداد بسيطة من المتظاهرين واستخدام القوة المفرطة وبالتالي الرصاص الحي وسقوط شهيدين" أجج الشارع البيضاوي عن بكرة أبيه، فخرجت مظاهرات حاشدة في اليوم التالي بعد تشييع القتلى، وسقط في اليوم التالي مبنى الأمن الداخلي في المدينة بيد المتظاهرين واستولوا على الأسلحة الخفيفة التي كانت داخله. وتوالت الاحتجاجات بعد ذلك حتى سقطت كامل مدينة البيضاء بيد الثوار خلال أيام.

واعتبر عقوب أن دماء الفقيدين اليمني وخنفر كانت نذير شؤم على النظام لا في منطقة الجبل فحسب وإنما في ليبيا كلها.

وأشار إلى أن اليمني وخنفر باتا رمزا للتضحية في البيضاء وفي ليبيا كلها، وأنه في كل ذكرى ومناسبة تحرص المدينة على تكريم أهالي من ضحوا بدمائهم في سبيل وطنهم.

المصدر : الجزيرة