يبدو أن ما بات يعرف بـ"فوبيا الأحزاب" -التي تشكلت مؤخرا لدى المواطن الليبي العادي- دفع الكثيرين إلى عدم اختيار "حتى من تلاحقهم شبهة الانتماء للأحزاب" في انتخابات لجنة كتابة الدستور الليبي التي جرت قبل أيام.

 

النتائج شبه النهائية لانتخابات لجنة الدستور بليبيا أظهرت تقدما كبيرا للمرشحين المستقلين (رويترز)

خالد المهير-طرابلس

كشفت النتائج شبه النهائية لانتخابات لجنة كتابة الدستور الليبي عن تراجع كبير في نتائج المرشحين الذين ينتمون للأحزاب السياسية -سواء الإسلامية أو الليبرالية- لصالح المرشحين المستقلين.

فحين ترشح الدستوري الليبي محمد بالروين لرئاسة الوزراء في أكتوبر/تشرين الأول 2012 أمام منافسه رئيس الوزراء الحالي علي زيدان حصل على صوت واحد تحت قبة البرلمان، لكن بالروين فاز الخميس الماضي في انتخابات لجنة الستين المعنية بكتابة الدستور بالمقعد الأول المخصص لـمصراتة (مائتا كلم شرقي طرابلس) بعشرين ألفا و764 صوتا من مجموع أصوات الناخبين البالغ عددهم 145 ألفا، وذلك بعد تعهده الخطي بأنه "لا ينتمي إلى حزب سياسي، وإذا اكتشف أي مواطن انتماءه الحزبي في المستقبل عليه تقديم الأدلة ليعلن استقالته".

يقول الباحث في المركز الليبي للدراسات محمود أملودة إن تعهدات بالروين الكتابية أثرت في حملته الانتخابية، وأنه كان صريحا حين قال لناخبيه "لن أبيع لكم الهواء، ولن نزيف لكم الأحلام، ولن نصنع لكم بيوتا من الرمال".

وأشار أملودة في حديثه للجزيرة نت إلى ما يسمى بـ"فوبيا الأحزاب" التي تشكلت مؤخرا لدى المواطن الليبي العادي، مشيرا إلى عدم اختيار "حتى من تلاحقهم شبهة الانتماء للأحزاب".

أكثر من عشرين ألف مصراتي صوتوا
للخبير الدستوري محمد بالروين (الجزيرة)

أسماء دستورية
كما فاز أستاذ القانون الدستوري في جامعة بنغازي
عبد القادر قدورة، وتمكن من الوصول إلى لجنة الستين
بـ7800 صوت من أصوات المقترعين في دائرة بنغازي البالغ عددهم 76 ألفا.

ويقول قدورة في حديثه للجزيرة نت إنه لم يستخدم المال السياسي أو القبيلة أو الدين أثناء حملته الانتخابية.

ويؤكد كذلك أنه لم يذهب إلى أي ناخب للحصول على صوته في الانتخابات، مكتفيا بالدعاية البسيطة في بعض شوارع مدينته بنغازي، لكن "الأصوات التي حصلت عليها جاءت لدراية الناخبين بسيرتي الذاتية القانونية والدستورية".

في مدينة أجدابيا (120 كلم غربي بنغازي) تحدث للجزيرة نت المسؤول الإعلامي في الدائرة الانتخابية الصالحين محمد الزوي عن اختيارات الناخبين، قائلا إنه بعد فرز 88 من 112 محطة انتخابية جاء في الترتيب الأول المحامي والحقوقي المتخصص في الدساتير نوح عبد السيد بحصوله على 1851 صوتا من أصوات المقترعين البالغ عددهم 11644.

ويؤكد أن الفائز بالمقعد الأول في لجنة الستين عن مدينة أجدابيا بعيد عن التوجهات السياسية، وهو ما ينطبق أيضا على الفائز بالمقعد الثاني في الدائرة نفسها الخبير الدستوري عمر النعاس الذي حصل على 1497 صوتا، كما تقترب الخبيرة القانونية رويدا بوحلفاية من المقعد الثالث.

حملة تشويه واسعة لمرشحين حزبيين صاحبت انتخابات لجنة الستين (الجزيرة)

ضربة قاضية
المؤشرات الأولية لفوز الخبرات الدستورية مثل بالروين وقدورة ومصطفى الدلاف وعبد الحميد جبريل في دوائر شرق ليبيا ومحمد الزائدي في الغرب شكلت "ضربة قاضية" للتيارات الإسلامية والليبرالية والفدرالية، على حد تعبير الباحث السياسي فرج نجم.

وأضاف نجم للجزيرة نت أن المواطن اختار الكفاءات بعد تجربته مع المؤتمر الوطني العام "الفاشل"، مؤكدا أنه "حتى اختيار أول وزير مالية بعد الثورة علي الترهوني دلالة على صحوة التصويت".

أما الخبير الدستوري سمير الشارف فقال للجزيرة نت إن إرادة الليبيين توجهت ضد التكتلات الحزبية، والذين فازوا "لا لون سياسي لهم".

ويعترف رئيس حزب التضامن أشرف الشح بهزيمة الأحزاب السياسية في حديثه للجزيرة نت، لكنه يشير إلى بعض الاستثناءات مثل فوز الليبرالي علي الترهوني في بنغازي بـ19 ألف صوت، وهو أكبر فائز بالأصوات في دائرته.

ومع هذا يرى الشح أنه "حتى أستاذ القانون في جامعة طرابلس محمد التومي فمحسوب على تحالف القوى الوطنية، ولو انتبهوا إلى انتمائه الحزبي ربما انخفضت الأصوات التي حصل عليها كثيرا".

يذكر أن محمد التومي حصل على 16 ألف صوت من مجموع أصوات المقترعين في طرابلس الكبرى البالغة 170 ألف صوت.

اختيارات الليبيين يعتبرها القيادي في التكتل الفدرالي زياد أدغيم "خطأ كبيرا تظهر تداعياته عند صناعة الدستور وليس صياغته"، قائلا إن صناعة الدستور تحتاج إلى سياسيين وحراك شعبي ومدني.

الناشط الإسلامي محمد عمر بعيو قال إن تراجعهم وتراجع التيار الفدرالي لحساب التيار الليبرالي القانوني يرجع إلى حملات الإعلام ضدهم.

وضرب مثالا على ذلك بأن المترشح الفدرالي عبد الجواد البدين وضع ثلاثمائة لوحة إعلانية في شوارع بنغازي يبلغ سعر الواحدة ألفي دينار ليبي (الدولار يساوي 1.28 دينار)، وحصل على ألف صوت فقط.

المصدر : الجزيرة