أم جمعة عجوز سبعينية سورية تعيل أحفادها الثلاثة عشر بعد غياب ابنها الوحيد من صناعة التنور، الذي يجد قبولا واسعا لجودة صناعتها.

 العجوز السورية أم جمعة تصنع التنور لإطعام أحفادها بعد أن فقدت ابنها (الجزيرة نت)
  
 الجزيرة نت-خاص

"اعتقلوا ابني الوحيد مع بداية الثورة.. كان عليّ الاهتمام بأولاده الثلاثة عشر.. ما زالوا صغارا لا يستطيعون إدارة شؤونهم".. هكذا عبرت السيدة أم جمعة للجزيرة نت عن نكبتها بفقدانها ابنها الوحيد.

لم تجد أم جمعة خيارا سوى العودة إلى صناعة "تنور" الخبز، تلك المهنة التي ورثتها عن أبيها وأمها لتتمكن من تأمين معيشة أحفادها الثلاثة عشر، وكانت قد هجرتها منذ زمن طويل عندما تحوّل الجميع إلى خبز الأفران الملقب بالخبز الأبيض، وتركوا خبز التنور التقليدي المعروف بالخبز الأسمر.

أم جمعة:
سأستمر في صناعة التنانير وبيعها ما دمت قادرة على ذلك، أو حتى يتمكن أحفادي من تدبير شؤونهم، أو عندما يتم تحرير ابني الوحيد

عزيمة وصبر
بلغت السبعين من عمرها، تمشي متكئة على عصا، رغم ذلك تمتلك من الإرادة والعزيمة الشيء الكثير، وهو ما يجعلها قادرة على رعاية أحفادها دون مساعدة من أحد، وتقول بإصرار "سأستمر في صناعة التنور وبيعه ما دمت قادرة على ذلك، أو حتى يتمكن أحفادي من تدبير شؤونهم، أو عندما يتم تحرير ابني الوحيد".

عاد أغلب سكان سوريا -لا سيما في المناطق المحررة- إلى استعمال التنور في تحضير الخبز، بعدما قطع النظام الكهرباء عنها، ولم تعد الأفران الآلية تعمل إلا في حالات قليلة، لذلك راجت صناعة التنانير وازداد الطلب عليها.

وتصنع أم جمعة بيديها النحيلتين تنورين أو أكثر في اليوم، وباتت معروفة لدى الكثيرين بجودة صناعتها، ويقصدها الزبائن من أبناء المنطقة ومن مناطق بعيدة نظرا لشهرتها ورغبة في دعمها ماديا.

ويأتي أبو وهدان من ريف حلب إلى ريف إدلب مطلع كل شهر لشراء كل ما لديها ليبيعه للآخرين، ويقول للجزيرة نت إنه يعمل في تجارة التنور منذ أكثر من عام، ويشتري من أغلب الصانعين، لكن صناعة أم جمعة هي الأفضل حيث يطلبها الزبائن، لذلك "أعطيها أكثر مما تطلب ثمنا لتنورها وأحاول مساعدتها.. لا أطلب الربح على حسابها".

أم جمعة دائمة الابتسام رغم ثقل حملها
بعد غياب ابنها الوحيد 
(الجزيرة نت)

مثال للصمود
أم جمعة محبوبة لدى جيرانها الذين يرون فيها مثالا حيا للمرأة الصامدة والصابرة، ويكبرون فيها عزة نفسها وكبرياءها، خاصة أنها دائمة الابتسام، ولا تقبل مساعدة من أحد.. أعطت كل سكان القرية تنانير مجانا، وتطلب منهم فقط أن يدعوا لابنها بالحرية.

تنهي أم جمعة عملها قبل أن يستيقظ أحفادها، وتقول "يلعبون بالطين ويخربون عملي أحيانا.. إنهم صغار يريدون اللعب.. بت أنهي عملي وأجهز لهم طعام الفطور مع والدتهم، قبل أن يستفيقوا".

لكن ما يحزن أم جمعة كثيرا ويدفعها للبكاء غالب الأحيان، هو سؤال أحفادها عن موعد عودة والدهم، وتقول "أغطي وجهي حتى لا يلحظ الصغار بكائي ولا يروا دموعي، لأنهم سيبكون معي حزنا على غياب والدهم.. أريدهم سعداء.. أحاول إشغالهم عن تذكر والدهم بكل الوسائل".

المصدر : الجزيرة