أثارت حملة التكفير التي يشنها التيار السلفي على عدد من الشخصيات السياسية والفكرية بالجزائر موجة من ردود الفعل بعضها يُندد وينادي بوضع حد لهذه الظاهرة، والبعض الآخر يدعو لتجاهلها وعدم إعطائها حيزاً من الاهتمام.

عبد الفتاح حمداش وصم سياسيين ومثقفين جزائريين بالكفر والإلحاد (الجزيرة)

ياسين بودهان-الجزائر

تشن جبهة الصحوة السلفية بقيادة زعيمها عبد الفتاح حمداش منذ أيام حملة تكفير ضد من تُسميهم الملاحدة والمرتدين، وتعني بهم مجموعة من السياسيين والمثقفين بالجزائر منهم وزراء بالحكومة الحالية، داعية لتخصيص مقابر خاصة بالملحدين.، وهي حملة لاقت استهجانا من قبل الجزائريين.

وتُعد ظاهرة التكفير دخيلة على المجتمع الجزائري ولا تحظى بذلك الانتشار، فيما عدا خلال الفترة التي شهدت ظهور الجماعات الإسلامية المسلحة بداية تسعينيات القرن الماضي في ما وُصفت حينها بسنوات العشرية الحمراء.

غير أن تبني جماعات تعتبر نفسها وسطية وناشطة في البلاد لفكرة التكفير يطرح عدة تساؤلات حول أبعاد ومخاطر الظاهرة على المجتمع الجزائري، الذي تتبع الغالبية العظمى منه مذهب الإمام مالك.

ولعل مما ينبئ عن تنامي نفوذ جبهة الصحوة السلفية -وهي حزب سياسي غير مرخص- أن زعيمها حمداش كان قد أعلن عن الترشح لمنصب رئيس الجمهورية بالانتخابات المقبلة قبل أن ينسحب من السباق بحجة ترشح الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة، وعدم توفر ظروف تساعد على انتخابات نزيهة.

وكشف حمداش للجزيرة نت عن وجود شريحة لا يستهان بها ممن سمَّاهم "الملاحدة والمرتدين" بالجزائر، مشيراً إلى أن الإحصاءات الرسمية تظهر أن هناك أكثر من 16500 متنصر.

ولا يرى الزعيم السلفي في الحكم الذي أصدره بحق مجموعة من السياسيين والمثقفين تجنياً أو افتراء "بل كان بناء على ما كتبوا وما نطقوا به وما صدر عنهم طوال نضالهم السياسي والفكري".

هؤلاء -يضيف حمداش- يؤمنون بالصليب وبعقيدة النصارى، لذلك "لا نريد أن يُدْفنوا معنا كما أنهم لا يريدون ذلك أيضاً، وهذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة".

حمداش اتهم وزارة الشؤون الدينية بالتقصير في محاربة التنصير والتشيع والبدع، وقال عنها إنها أداة بيد الدولة تستعملها متى وكيف تشاء مؤكداً أنه لن يعترف بأي مجلس إفتاء تابع للوزارة لا تقوم دعائمه على أساس الكتاب والسنة

ثوابت الأمة
واستهدفت حملة التكفير عدة شخصيات سياسية في مقدمتها وزيرة الثقافة الحالية خليدة تومي التي كشفت في كتابها "جزائرية واقفة" الصادر عام 1995 أنها "لا تصلي صلاة المسلمين" وأن "السجود لله أكبر إهانة للإنسان".

وتعليقاً على ما ورد في ذلك الكتاب، قال حمداش إن كلام الوزيرة يقف شاهداً على أنها ليست مسلمة.

ووصف حمداش زعيمة حزب العمال لويزة حنون بأنها تروتسكية، وبأنها هي التي تعهدت بالعمل على إزالة الإسلام من مؤسسات الدولة.

وإلى جانب هاتين الشخصيتين، هناك شخصيات أخرى على غرار وزير الصناعة عمارة بن يونس الذي صرح بأن عهد "قال الله، قال الرسول" قد ولى، وهناك أيضاً الأديب رشيد بوجدرة.

 وفي تقدير حمداش فإن دوره كداعية يقتضي حماية الدين من هؤلاء الذين وصفهم بأنهم "خطر على ثوابت الأمة الإيمانية".

كما اتهم وزارة الشؤون الدينية بالتقصير في محاربة التنصير والتشيع والبدع، وقال عنها إنها أداة بيد الدولة تستعملها متى وكيف تشاء، مؤكداً أنه لن يعترف بأي مجلس إفتاء تابع للوزارة لا تقوم دعائمه على أساس الكتاب والسنة، وعلماء مشهود لهم بالكفاءة العلمية.

وأثارت حملة التكفير ردود فعل وسط المثقفين الجزائريين، وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث دعا البعض إلى وضع حد لهذه الظاهرة من خلال تجريم فعل التكفير، في حين دعا آخرون إلى تجاهل المسألة وعدم إعطائها حيزاً من الاهتمام، لأن من يقف وراءها له أهداف سياسية وليست دينية.

جودي وصف حمداش بالجاهل بالدين (الجزيرة)

ظاهرة دخيلة
وفي السياق، حمل جلول جودي الناطق الرسمي لحزب العمال الذي تترأسه لويزة حنون -في حديثه للجزيرة نت- وسائل الإعلام جزءاً من المسؤولية، لأنه كان عليها أن تتجاهل أمثال هؤلاء، وألا تمنحهم الفرصة للظهور والتمادي في تجريح الأشخاص، على حد تعبيره.

وهاجم جودي بشدة حمداش ومن وصفهم بأئمة التكفير الذين قال عنهم إنهم نصبوا أنفسهم أنبياء وأوصياء على الناس.

وقال أيضا إن هؤلاء "لا علاقة لهم بالإسلام وهم يضرون الدين أكثر مما يخدمونه" معتبراً نضال زعيمته حنون من أجل فصل الدين عن السياسة "حماية للدين من الأشخاص الذين لا يفقهون ديناً ولا سياسة".

ووصف الناطق  باسم حزب العمال حمداش بأنه "جاهل بالدين" وأنه لا يمتلك أهلية لإصدار أحكام بحق الناس، واعتبر أن ظاهرة التكفير أخطر من الجريمة لأنها تهدد وحدة وتماسك المجتمع.

من جانبه، رفض رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الرد على موقف حمداش، مؤكداً أن الأخير هو المدعو لتوضيح الأسس التي اعتمد عليها في أحكامه، لكنه أوضح أن قضية الفتوى تتصدى لها لجنة تابعة لوزارة الشؤون الدينية.

كما اعتبر د. عبد الرزاق قسوم ظاهرة التكفير دخيلة على المجتمع الجزائري والإسلامي، لأن هذا المجتمع في تقديره ينطلق من قاعدة "من قال لا إله إلا الله فهو مسلم" وهو ما يذهب إليه الإمام الأشعري الذي يتبع مذهبه الجزائريون.

ويرى رئيس جمعية العلماء المسلمين أن حملة التكفير لها بُعد سياسي، ويتساءل عن السر في تكفير بعض الساسة دون غيرهم من فئات المجتمع الأخرى.

ويقول في ذلك إن الدين شامل وغير قابل للتجزئة، مبيناً أن جمعية العلماء ليس من أخلاقها ولا مبادئها القول عن أي شخص إنه مسلم أو غير مسلم.

المصدر : الجزيرة