ما زالت ذكرى حرب العقيد الراحل معمر القذافي على مدينة مصراتة خلال الثورة على نظامه ماثلة للعيان في الشوارع، إلى جانب الندوب التي تركتها في النفوس والأجساد.

الشيخ اعتبر أن الثورة تستحق تقديم الغالي والنفيس (الجزيرة)

شاهر الأحمد-مصراتة

رغم مرور نحو ثلاثة أعوام على تحرير مدينة مصراتة (شرق طرابلس) من قبضة نظام العقيد الراحل معمر القذافي، فإن آثار الحرب التي شُنت على المدينة لا تزال بادية من خراب وتدمير وحرق. كما أن الآثار الأخرى من إصابات وجراحات جسدية ومعنوية لا تزال حاضرة عند العشرات من شباب مصراتة.

فعند دخول المدينة عبر شارعها الرئيسي "شارع طرابلس" تجد العديد من المباني مدمرة وأخرى محروقة، إلى جانب حركة إعادة إعمار خجولة لمبان أخرى.

ولم يكن شارع طرابلس الشارع الوحيد الذي لحق الخراب بمبانيه، لكنه الأكثر تأثرا بالتدمير. ومع فداحة الخسائر المادية إلا أنها تهون -كما يقول المصراتيون- مقابل ما أزهق من أرواح (حيث يقدر عدد من قتل من المصراتين بنحو 1400 شخص). ولحقت عاهات بكثيرين من ضمنها بتر أطراف أو فقد عين أو سمع، وأكثر ما يؤلم المصراتين ويتحاشون الحديث عنه هو تعرض عدد من نساء مدينتهم لحالات "هتك عرض".

أحد المباني المدمرة في مصراتة (الجزيرة)

وأكد العديد ممن التقتهم الجزيرة نت من شباب مصراتة أن الحرب التي شهدتها مدينتهم تركت جرحا غائرا "يصعب نسيانه" وهو أن أفراد كتائب القذافي -التي كانت تستهدفهم بالقتل والاعتقال والتعذيب والاعتداء على الأسر- ينتمون إلى بلدة تاورغاء المجاورة لمدينتهم، والذين "كان يستفيد المئات منهم من مصراتة حيث كانوا يعملون أو يعيشون".

الحرية أغلى
في أحد أحياء مصراتة، التقت الجزيرة نت بالجريح إبراهيم الشيخ (25 عاما) الذي فقد ساقه اليمنى وتلقى إصابة في الرأس تسببت في شلل ثلاثة أصابع برجله اليسرى، إضافة إلى إصابة عميقة في بطنه تسببت في تهتك بمعدته.

يقول الشيخ إنه أصيب بينما كان يلجأ هو وستة آخرون من زملائه بأحد المباني في شارع طرابلس بمصراتة، ففوجئوا قبل الفجر بقذيفة هاون تسقط عليهم تسببت في إصابته إصابات بالغة في حين أصيب أربعة آخرون بإصابات أقل وقتل اثنان في المكان، مشيرا إلى أنه جراء إصابته في رأسه فقد الوعي لمدة 25 يوما، وأن الأطباء الذين عرض عليهم كانوا يائسين من إنقاذ حياته.

وأضاف في حديث للجزيرة نت أن مسيرة علاجه طويلة، بدأت بالعلاج في مستشفى بمصراتة استمر لأيام، ثم نقل إلى تونس حيث مكث ستة شهور بترت خلالها ساقه، ثم أرسل إلى اليونان حيث مكث للعلاج ثلاثة شهور، ثم ذهب بعد ذلك إلى ألمانيا لتركيب ساق اصطناعية والتمرن لتقوية عضلات رجله، وعاد بعدها إلى مصراتة، ومن المقرر بعد شهرين العودة لألمانيا لاستكمال العلاج.

والشيخ الذي بدا من خلال جلوسنا في بيته أنه ميسور الحال، أكد لنا أن الثورة الليبية لم تكن ثورة جياع وأن العديد من الثوار هم في وضع مادي جيد ومن أصحاب الشهادات الجامعية، وأن الجميع كانوا يهدفون إلى التخلص من الظلم والحصول على الحرية، مشيرا إلى أنه يحمل شهادة بكالوريوس اقتصاد.

بيت عبد الله عيسى تبدو عليه آثار الحريق (الجزيرة)

وفي قرية صغيرة ملاصقة لمصراتة تسمى طمينة، دعا شاب في العشرينيات من عمره يدعى عبد الله عيسى لتفقد بيت عائلته، وغلب على البيت من الداخل والخارج اللون الأسود نتيجة تعرضه للحريق بكل موجوداته، مشيرا إلى أن قطع الأثاث وبعض المقتنيات الخفيفة الحمل تمت سرقتها من قبل كتائب القذافي قبل حرق البيت.

وبمرارة قال عيسى للجزيرة نت إن هذا البيت جُهز للسكن قبل ستة شهور فقط على اندلاع الثورة، وإن والده كان أنفق عليه مبالغ كبيرة.

وعن سبب استهداف بيته وعشرات البيوت الأخرى في قريته (التي رأينها)، أجاب بأن أفرادا من أصحاب هذه البيوت متهمون بالتعاون مع الثوار.

اعتقال وتعذيب
وفي مصراتة التقت الجزيرة نت مصطفى ميلاد الذي اعتقل من بيته بشبهة أنه كان يناصر الثورة. وبيّن ميلاد (وهو يحمل بكالوريوس محاسبة) أنه مكث تحت التعذيب لثلاثة أيام في تورغاء، شاهد خلالها ذبح بعض الثوار بالسكين، ثم نقل لفترة أسبوعين إلى مدينة سرت تواصل خلالها التعذيب، ونقل أخيرا إلى طرابلس حيث مكث في المعتقل خمسة شهور وخرج من المعتقل عندما تمكن الثوار من السيطرة على طرابلس.

المصدر : الجزيرة