شكك محللون في جدية التصريحات التي أطلقها الرئيس الفلسطيني محمود عباس بشأن حق اللاجئين في العودة لوطنهم، واستبعدوا أن تُحدث انفراجا في مسيرة السلام، بسبب ما وصفوه بتعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وشروطه التعجيزية التي يطرحها بين فينة وأخرى.

                 ملصق بذكرى النكبة وُزّع بالداخل الفلسطيني يؤكد التمسك بحق العودة (الجزيرة نت)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

أجمع محللون وسياسيون أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس بات على قناعة بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير معني بالتسوية السياسة، ورجحوا أن عباس يسعى من خلال تصريحات المهادنة بخصوص العودة واللاجئين إلى إحداث اختراق في المجتمع الإسرائيلي للتأثير عليه.

ووصفوا خطوات أبو مازن بلقاء وفود إسرائيلية بالذكاء السياسي لكشف ما سموه زيف ومراوغة أقطاب معسكر اليمين في الحكومة التي تركز جل اهتمامها على البحث عن كيفية وضع العراقيل أمام مسيرة المفاوضات والترويج بأن السلطة الوطنية الفلسطينية قد أفشلتها.

ورجح هؤلاء المحللون والسياسيون أن من شأن مثل هذه التصريحات والمواقف الإيجابية التي يتخذها المفاوض الفلسطيني أن تُحرج نتنياهو وتدل على نوايا أبو مازن الحقيقية لإنهاء الصراع، مما سيكون لها تأثير إيجابي في المستقبل على الإسرائيليين، لكنها ليست كفيلة في الوقت الراهن بإحداث تقدم بمسيرة عملية السلام المتعثرة.

وشكك البعض في جدية تصريحات أبو مازن بخصوص حق العودة واللاجئين، بسبب ما اعتبروه ازدواجية الخطاب والمواقف، واستبعدوا إمكانية أن تسهم بإحداث انفراج في مسيرة السلام، وذلك أيضاً بسبب المواقف المتعنتة للحكومة الإسرائيلية والشروط التعجيزية التي تطرحها بين الحين والآخر، سعياً منها لتفجير المفاوضات وتحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية الفشل.

 دوف حنين: لقاءات عباس خطوة نحو
بناء الثقة (الجزيرة نت)

مراوغة وحنكة
ويرى الدكتور دوف حنين -النائب بالكنيست (البرلمان) عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي- أهمية قصوى لمثل هذه الاجتماعات واللقاءات التي تجمع الشباب والطلاب من إسرائيل بالقيادة الفلسطينية، مبيناً أن شروع الرئيس محمود عباس بالاجتماع بوفود شبابية من المجتمع اليهودي، ومخاطبة الرأي العام الإسرائيلي يمثل خطوة حيوية نحو تعزيز الثقة بين الشعبين.

وأشاد النائب الإسرائيلي في حديثه للجزيرة نت بخطوات الرئيس الفلسطيني وخطابه الموجه للمجتمع الإسرائيلي بقصد بناء وتعزيز الثقة، لافتاً إلى أن التصريحات المتعلقة بالتسوية السياسية وقضية اللاجئين وحق العودة، تشير إلى حنكة وفطنة دبلوماسية وإستراتيجية فلسطينية لمواجهة واختراق الرأي العام الإسرائيلي وتفنيد مزاعم نتنياهو الذي يروج إلى عدم وجود الشريك الفلسطيني.

ويعتقد بأن التصريحات المتعلقة بملف اللاجئين وحق العودة، الذي لم يطرح أصلاً بشكل جدي على طاولة البحث، أحرجت قيادة الحكومة الإسرائيلية التي لا تقدم تصوراً مستقبلياً للسلام، واختارت المراوغة للتملص من المسار السياسي، وتعتمد على الترويج لمخاطر حق العودة على دولة إسرائيل، وأشهرت ورقة المطالب بدفع التعويضات لليهود من الدول العربية.

هواجس ودعاية
من جانبه، رحب عضو اتحاد جمعيات السلام الإسرائيلية الفلسطينية دان يعكبسون بخطوات ومواقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالاجتماع مع الإسرائيليين خاصة الطلبة والشباب، ويرى في هذه المبادرات دافعاً ومحفزاً لتحريك عجلة المفاوضات، لكنه في المقابل شكك في جدية تصريحات أبو مازن المتعلقة باللاجئين وقضية حق العودة.

المصري: عباس يحاول اختراق المجتمع الإسرائيلي (الجزيرة نت)

ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أن أبو مازن -وتحديدا في ملف اللاجئين- يكيل بمكيلين ويعتمد على خطاب مزدوج  في قضية حق العودة، إذ يبدي مرونة بمواقفه عندما يخاطب المجتمع الإسرائيلي، لكنه عندما يخاطب الشعب الفلسطيني -وحتى الدبلوماسية الدولية- تراه متشبثاً بمواقفه والثوابت الوطنية ورفضه أي تنازلات.

واستبعد يعكبسون -وهو محاضر للعلوم السياسية والاجتماعية- إمكانية أن تسهم مواقف وتصريحات أبو مازن في التأثير المباشر على الخارطة الحزبية والسياسية بإسرائيل، وقلل من إمكانية إحداث تحول آني لدى المجتمع الإسرائيلي، مبيناً أن التغييرات ستتحقق بفضل سيرورة من بناء الثقة واستمرارية الشفافية بالمواقف دون تناقضات.

ونبه إلى أن المجتمع الإسرائيلي يعيش هواجس عودة اللاجئين، ويرى في ذلك مخاطر وجودية على مستقبل الدولة اليهودية. وأضاف أن هناك إجماعاً إسرائيلياً بالرفض المطلق لفكرة عودة اللاجئين لدى مختلف المعسكرات الحزبية والتيارات السياسية، التي توظف الدعاية وتروج لمخاطر مجرد الحوار والحديث عن حق العودة.

 مرونة ومهادنة
وفي قراءته لدلالات الرسائل والمعاني لتصريحات الرئيس عباس، قال مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية "مسارات" هاني المصري إن "الرئيس الفلسطيني يحاول من خلال المرونة في تصريحاته اختراق المجتمع الإسرائيلي والتأثير عليه ليضغط على الحكومة للقبول بتسوية تحقق دولة فلسطينية وحلاً متفقاً عليه بخصوص اللاجئين وإنهاء الصراع بموجب مبادرة السلام العربية".

ولاحظ المصري أن أبو مازن كرر كثيراً مثل هذه التصريحات دون أن يُحرج رئيس الوزراء نتنياهو "ولم نلمس تغيراً بالموقف الإسرائيلي الرسمي، وعليه فالتجربة أثبتت أن مثل هذه التصريحات لن تسهم في إحداث تغيرات جوهرية في نهج وسياسات إسرائيل التي اتجهت نحو مزيد من التطرف والعنصرية ومضاعفة الاستيطان والتهويد بغرض تصفية القضية الفلسطينية".

وفي تقدير المصري، فإن تل أبيب يمكن أن تغير مواقفها في حال لمست قوة المفاوض الفلسطيني وامتلاكه أوراق ضغط، وشعرت بأنها مهددة ويمكن أن تتكبد خسائر اقتصادية وسياسية وإستراتيجية، لكنها في ظل الضعف العربي وحالة الانقسام الفلسطيني الراهنة تتجه لفرض الإملاءات ووضع العراقيل أمام مسيرة عجلة المفاوضات، وتشترط الاعتراف بها كدولة للشعب اليهودي، وتطرح ورقة تعويضات اليهود من الدولة العربية.

المصدر : الجزيرة