مرت ثلاثة أعوام على الثورة الليبية التي احتفل الليبيون بها أمس وهي التي أنهت أربعة عقود من حكم العقيد الراحل معمر القذافي بينما تعيش البلاد ترديا أمنيا وانتشارا للسلاح ومراوحة الأزمة السياسية مكانها.

 السلاح حضر في احتفالات الليبيين يالثورة (الفرنسية)
 مجدي مصطفى
 
يستقبل الليبيون اليوم الثلاثاء أول أيام العام الرابع من ثورة 17 فبراير/شباط عام 2011 التي أطاحت بالعقيد معمر القذافي أو "الأخ قائد الثورة" كما كان يسمى إبان الحقبة الجماهيرية.

ويبدو أن قدر الليبيين هو العيش طويلا مع كلمة "ثورة" سواء في طبعتها "الإجبارية" القديمة مع القذافي ونظامه، أو مع الدولة الجديدة والتي تبدو بعد مرور ثلاثة أعوام من "الثورة" غارقة في أزمات متنوعة ومركبة ومستعصية ومفتوحة على كافة الاحتمالات.

تتعدد عناوين الأزمات بين مواجهات قبلية، وخلافات وتصفية حسابات سياسية تزكيها فوضى أمنية، وانتشار كثيف للسلاح، والمليشيات المسلحة، ويقابل كل ذلك حكومة عاجزة، وبرلمان زاده الانقسام ضعفا، وطبقة سياسية متفرقة وتوافق سياسي غائب، وحيرة بالغة في الشارع الليبي، يكرسها غموض المستقبل وخريطة طريق متعثرة، وحديث عن سرقة الثورة وعودة الفلول.

ويزيد الوضع تعقيدا تأزم الأوضاع الاجتماعية في ليبيا، والحضور القوي للقبيلة، والسلاح في بلد مترامي الأطراف، سكانه حوالي ستة ملايين نسمة غير محشورين في واد ضيق كمصر (حوالي 85 مليون نسمة)، حرص حكامه على تكريس المركزية في تلك الدولة الزراعية.

أما نظام القذافي فحرص طيلة سنوات حكمه التي تعدت أربعة عقود على تجريف ليبيا أولا بأول من أي صوت معارض، وترسيخ القبلية بشروطه الخاصة في "جماهيرية المؤتمرات الشعبية".

في ظل الأزمة تردت الأوضاع المعيشية للمواطنين وتصدرت القلاقل الأمنية المشهد من حوادث قتل واغتيال وخطف، وأخيرا محاولة انقلاب

مكونات التغيير
لم يكن غريبا في ظل هذه الحالة أن تتردى الأوضاع المعيشية للمواطنين وتتفاقم أزمات مياه الشرب والمسكن والتعليم والصحة فضلا عن الكهرباء والوقود في بلد مصدر للنفط، بينما تتصدر القلاقل الأمنية المشهد من حوادث قتل واغتيال وخطف، وأخيرا محاولة انقلاب استلهمها صاحبها اللواء خليفة حفتر -الغائب عن الأنظار حاليا- من بيان وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي حين انقلب على الرئيس المنتخب محمد مرسي.

يستدعي حديث الاستلهام مقارنة سريعة بين المكونات الرئيسية التي قادت إلى التغيير في تجارب دول الربيع العربي الأربع وهي تونس ومصر وليبيا واليمن، لمعرفة الوازن منها في كل تجربة ودوره اللاحق ما بعد التغيير.

ففي مصر كان الجيش الرافض للتوريث والذي استثمر هبة الشارع المصري في ثورة يناير 2011 بعد اكتسابها زخما بدخول الإخوان، وعاد العسكر لتصدر المشهد بعد "مصيدة كبيرة" نصبوها للثورة ورموزها، واحتكروا القرار.

وفي اليمن بدا هذا المكون خليطا من انقسام الجيش ودور الشباب والأحزاب، والمبادرة الخليجية، وتتدافع عناصر المكون الرئيسي للتغيير في رسم معالم المستقبل بمساعدة دولية وخليجية، أما في تونس فقد كانت الثورة الشعبية في مجتمع لا يشهد توغلا للعسكر في الحياة العامة كما عليه الحال في مصر، فكان أن انفردت مرة أخرى بالسبق في إنجاز خطوات رئيسية نحو المستقبل، بينما تتعثر ليبيا تعثرا يهدد مستقبل الدولة.

زيدان يرى أن التحدي القائم "حقيقي" وأن الثورة "لا تسمح للوطن ولمسار الثورة بان يتداعى لغير رجعة

خصوصية الجماهيرية 
فقد تدخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) عسكريا، وهذا ما ميز الحالة الليبية عن غيرها. وفي سنة رابعة ثورة بدا أن من ساعدهم "الناتو" على التخلص من "الأخ قائد الثورة" عاجزين عن مساعدة أنفسهم والعبور بالبلاد من نفق مظلم تسكنه أشباح التقسيم والحرب الأهلية، فالبلاد تفتقد إلى جيش نظامي قوي قادر على ضمان وحدة وسلامة أراضيها، أو قوات أمن قادرة على إظهار هيبة الدولة وحمايتها.

وحتى البرلمان المؤقت الذي أطلقوا عليه اسم المؤتمر الوطني العام -والذي مدد له بعد انتهاء ولايته قبل عشرة أيام- بدا عاجزا -بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على انتخابه- عن صياغة الدستور، وحالت خلافات المليشيات المسلحة وامتداداتها داخل البرلمان دون ذلك، وانقسم الناس بين مؤيد ورافض للتمديد، وبين من لا يرى فيه غير مضيعة للوقت والمال.

الحال التي عليها البرلمان لا تشي بكثير أمل في لجنة الستين والمقرر انتخابها بعد غد الخميس للاضطلاع بمهمة كتابة الدستور، باعتباره الخطوة الأولى في خريطة طريق تنهي المرحلة الانتقالية التي طالت.

ويرى رئيس الوزراء علي زيدان بهذه المناسبة أن التحدي القائم "حقيقي" وأن الثورة "لا تسمح للوطن ولمسار الثورة بأن يتداعى لغير رجعة" ويعتبر زيدان أن "غمار الثورة ليس سهلا وأن فيه تحديات ومصاعب وفيه استحقاقات تحتاج لجهد ومثابرة". 

المصدر : الجزيرة