اللاجئون الذين هجرتهم المعارك الشرسة في يبرود بسوريا إلى عرسال اللبنانية الحدودية لم يكن نزوحهم الأول، فقد لاحقتهم المعارك والقصف من مدينة إلى أخرى داخل سوريا حتى اضطرتهم للجوء إلى لبنان، وباتوا أياما في العراء، بانتظار المساعدة.

مخيمات عشوائية لاستقبال لاجئي يبرود في عرسال تعجز عن توفير المأوى المناسب للاجئين (الجزيرة نت)
 
علي سعد-بيروت
  
يتجمع النازحون السوريون في بلدة عرسال شرق لبنان حول أي شخص من خارج البلدة يتوجه إلى المخيمات التي وضعوا فيها. تلاحق العيون الحائرة أي سيارة لم يعتادوا رؤيتها، خصوصا أولئك الذين قدموا من منطقة يبرود في ريف دمشق حيث تشتد المعارك.
 
وينتظر معظم هؤلاء وصول الأمم المتحدة أو المفوضية العليا للاجئين في لبنان. فبعضهم أمضى أكثر من ثلاثة أو أربعة أيام في العراء، عدا نقص الطعام والشراب ومختلف الإمدادات الضرورية للصمود.

وأدى هجوم قوات النظام السوري على منطقة يبرود الواقعة على الحدود اللبنانية السورية إلى نزوح عدد كبير من العائلات السورية، منها إلى بلدة عرسال الحدودية. لكن هؤلاء لم يتمكن معظمهم من إيجاد مأوى بسبب نقص الإمدادات التي يفترض أن تقدمها منظمات الإغاثة الدولية العاملة في لبنان.
 
بعض العائلات لا تجد شوادر تكسو خيامها وتسترها في عرسال (الجزيرة نت)
ولا يتوقف نقص الإمدادات على تأمين الخيام اللازمة للنازحين الجدد، فقبالة مخيم الشهداء الذي شيد للهاربين من منطقة القصير أثناء المعارك قبل أشهر، تعمل الهيئة الإغاثية في عرسال على تشييد مخيم جديد للهاربين من يبرود.

ومن المفترض أن يتسع هذا المخيم لحوالي 120 عائلة من أصل حوالي 1000 عائلة، يقول العاملون في الإغاثة إنها وصلت إلى عرسال في الأيام القليلة الماضية.
 
وعلى باب المخيم يقف طفل صغير تقول امرأة بجانبه إنه لم يعط أي طعام منذ يومين، يطلب الطفل التصوير أمام الكاميرا، الفرحة برؤية الكاميرا تنسيه الجوع، في تجمع حوله 4 أطفال آخرين يأخذون صورة جماعية ثم ينصرف كل منهم إلى ما كان يقوم به.

رحلة معاناة
بالقرب من الأطفال يقف أبو أحمد (اسم مستعار) يفضل الرجل الحديث بعيدا عن الكاميرا. فلم يكن يتوقع عندما كان يعمل سائق سيارة أجرة في القصير ويعيش مكتفيا مع عائلته، أن يأتي يوم ويصبح فيه بحاجة إلى انتظار المساعدات "التي تأتينا شفقة".

يروي للجزيرة نت أنه وعائلته المؤلفة من سبعة أشخاص يبيتون منذ وصولهم يوم الجمعة الماضي إلى عرسال في العراء. الرحلة المضنية هذه ليست الأولى لهم، فقبل ثمانية أشهر هرب أبو أحمد مع عائلته من القصير إلى يبرود في حمص. اضطروا يومها إلى السير أسبوعا كاملا في طرق وعرة، وأن يبيتوا في العراء حتى وصلوا إلى يبرود، حيث اتخذوا منزلا هجره أهله ليسكنوه.

رواية أبو أحمد تتشابه مع رواية كثيرين ممن أحاطوا به بينما كان يتحدث للجزيرة نت. بجانبه وقف رجل خمسيني غزا الشيب شعره ولحيته وسيطر التعب على ملامحه.

يقول الرجل إن وضعهم أصبح مثيرا للشفقة منذ بدؤوا يتنقلون من باب عمرو إلى القصير ثم إلى قارة وبعدها إلى عرسال. لا يجد الكثير من الكلام لتبرير نقص الطعام الذي لم تعتده عائلته يوما، عندما كان يعيش هانئا في منزله بسوريا.
 
يجمع النازحون الجدد على تحميل الدول الكبرى مسؤولية ما يحصل لهم. ويعتقد هؤلاء أنه كان بإمكان هذه الدول أن تحسم الوضع سريعا لو أرادات أن تفعل. لكنها رمتهم في هذه الحرب المؤلمة ثم تركتهم لقدرهم.
 
اللاجئون حطوا رحالهم في عرسال بعد سلسلة من التهجير أمام مستقبل مجهول (الجزيرة نت)
المفوضية موجودة
من جهتها، استغربت الناطقة باسم مفوضية اللاجئين دانا سليمان النقص الذي يتكلم عنه النازحون الجدد، مؤكدة أن المفوضية موجودة هناك منذ التاسع من الشهر الجاري، ولكنها ليست مسؤولة بشكل مباشر عن المخيمات العشوائية، خاصة أنه يوجد في عرسال وحدها 61 مخيما.

وأوضحت سليمان للجزيرة نت أن "مندوبين من المفوضية سيتوجهون مباشرة إلى المخيمات لتغطية النقص في الشوادر اللازمة لإنشاء الخيام". ولفتت إلى أن المساعدات الباقية من طعام وشراب وأدوية لا تجول بها المفوضية على النازحين بل عليهم أن يتوجهوا إلى المراكز لاستلامها. وقالت إن "أكثر من 11 ألف نازح جديد من يبرود سجلوا أسماءهم واستلموا مساعدات أولية".

بدورهم أبلغ مسؤولون عاملون في مجال الإغاثة مع بلدية عرسال الجزيرة نت أن "البلدة لا تزال مستعدة لإيواء أكبر عدد من النازحين كون أراضيها شاسعة، ولكن على الدولة أن تؤمن لهم المأوى والطعام".

وأشاروا إلى أنه لا طاقة للبلدية بإمكاناتها الضعيفة أن تتحمل وحدها هذا العدد الكبير من النازحين الذي تخطى السبعين ألفا في حين لا يتجاوز عدد سكانها الأصليين الخمسين ألفا.

المصدر : الجزيرة