عاطف دغلس-طولكرم
 
ليست أصوات مصانع "جيشوري" الإسرائيلية وحدها ما يُؤرّق الشاب أحمد حمدان من أهالي مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية الذي يعمل بالقرب منها، إذ تغدو الرائحة الكريهة والأدخنة السامة المنبعثة من فوهاتها أشد وأخطر.

الخطر القادم من تلك المصانع لا يهدد حمدان -الذي يعمل بإحدى محطات الوقود قرب تلك المصانع- فآلاف الفلسطينيين القاطنين بمحاذاتها يدفعون ضريبة الصناعة الإسرائيلية، حيث تنتشر بينهم أمراض ترتبط بالجهاز التنفسي وأخرى من بينها السرطان.

ويعود أصل الحكاية إلى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، حيث نقلت إسرائيل مرغمة مصنع "جيشوري" من داخلها إلى الخط الغربي لمدينة طولكرم بعد احتجاج الإسرائيليين عليها.

 حمدان يعيش المعاناة يوميا (الجزيرة نت)

   مواد سامة
ويقول حمدان إن عمله قرب هذه المصانع جعله يراقب باستمرار "المآسي التي تحدثها، وأهمها السحب المشبعة بالمواد السامة الخارجة من فوهاتها، إضافة إلى المياه العادمة الناجمة عن صناعاتها الكيماوية كالأسمدة والبلاستك والكرتون وغيرها".

وأكثر ما يخشاه هو إجراء الفحوصات الطبية لنفسه والكشف عن أي أمراض قد ألمت به، لا سيما السرطان وأمراض التنفس التي باتت متفشية بشكل كبير بالمنطقة.
 
وفقد حمدان عمه مصلح حمدان عام 2007 بعد إصابته بمرض السرطان الناجم عن التلوث البيئي الذي تُحدثه هذه المصانع، وفق ما أكدته الفحوصات الطبية.

ويُواجه العمال الفلسطينيون الذين يعملون في تلك المصانع خطرا أكبر لا يُعوّضهم الأجر المرتفع الذي يمنحهم إياه رب العمل الإسرائيلي مقابل صحتهم وحياتهم التي تذهب هدرا.

ونقل حمدان عن العمال قولهم إن رب العمل الإسرائيلي يشترط عليهم شرب الحليب وارتداء الكمامات الواقية قبل الدخول للعمل كل يوم بهدف التخفيف من ضررها، "ما يثبت أنها أداة قتل مباشر وبطيء لنا".

  حنون: السرطان والالتهاب الرئوي
انتشرا بشكل كبير (الجزيرة نت)
   انتشار الأمراض
وعلى الرغم من تسجيل إصابات كثيرة بأمراض السرطان -لا سيما الدم والالتهاب الرئوي- في الجهة الغربية الجنوبية التي تقام عليها تلك المصانع، فإنه لا توجد إحصائية رسمية لعدد الحالات المصابة بحسب ما صرحه به سعيد حنون مدير صحة طولكم السابق.

وأوضح المسؤول الطبي أنه تم إجراء فحوصات لعاملين داخل المصانع وتبين أنهم مصابون بالسرطان، كما أن عائلات بأكملها تقطن قرب المصانع تصاب بالالتهاب الرئوي وتحتاج للأوكسجين الصناعي بشكل دائم.

وبحسب حنون، فإن عنصرية الاحتلال لا تتجلى فقط في نقل هذه المصانع لمناطق الفلسطينيين ومصادرة أرضهم فحسب، بل بإيقافها عن العمل لبضعة أيام خلال فترة من السنة تكون فيها الرياح باتجاه الشرق "أي جهة المناطق الإسرائيلية".

وتابع حنون للجزيرة نت أن الإسرائيليين احتجوا ونجحوا في إيقاف عمل المصانع في تلك الأيام -رغم أنها لا تتوقف مطلقا- ما يثبت أنها مضره، في حين لم تفلح كل محاولات الفلسطينيين الشعبية والرسمية الضاغطة لإيقاف هذه المصانع.

عوادم المصانع تقتل الزراعات
وتميت الأراضي (الجزيرة نت)

   تدمير الأرض
ويمكن لأي مارٍ بالقرب من مصانع "جيشوري" -التي جاءت تسميتها نسبة لرجل يهودي أسّس أول تلك المصانع في الثمانينيات- أن يلحظ ضررها وخطرها الذي تعدى الحجر والبشر ليصل إلى الشجر أيضا، وذلك بتدميرها آلاف الدونمات الزراعية المحيطة والتي هجرها أهلها، كما تؤكد المزارعة أم عدي عودة.

وتضيف أن زراعتها يحيط بها أذى المصانع من كل جانب، "تارة من السماء عبر الغبار والأدخنة السامة وأخرى من الأرض عبر المياه العادمة".
 
أما محافظ طولكرم عبد الله كميل، فيقول "إن لم توقف الاحتجاجات الشعبية والرسمية المحلية إسرائيل عن "جريمتها بإقامة هذه المصانع على أراض فلسطينية ومخالفتها القانون، فإن النية تتجه للمؤسسات الدولية".

وأعلن أنهم بصدد تشكيل لجنة من جهات ليست فلسطينية لبحث القضية على المستوى الدولي لدراسة الأضرار الناجمة على المكان والبيئة، مشددا على المضي قدما في هذا المسار "حتى وإن وصل الأمر لمحكمة الجنايات الدولية".
 
ولفت إلى أنهم باتوا قريبين من نتائج "إيجابية" لقضايا تقدموا بها للمحاكم الإسرائيلية لاسترداد الأراضي الفلسطينية المقامة عليها المصانع.

المصدر : الجزيرة