أسيل الجندي-القدس المحتلة

رغم استمرار الأصوات الإسرائيلية من داخل الحكومة وخارجها الداعية لتخفيف حدة الاحتقان بمدينة القدس المحتلة، وتسهيل حصول المقدسيين على بعض الحقوق، تمضي حكومة الاحتلال بقيادتها اليمينية إلى التصعيد وابتكار أساليب جديدة للتنكيل بسكان المدينة.

وفي أحدث الإجراءات التعسفية أصدر قائد المنطقة الداخلية القائد العسكري اللواء إيال إيزمبرج، قرارا يقضي بإبعاد خمسة مقدسيين منهم ثلاثة أسرى محررين عن المدينة لفترات متفاوتة، ويُمنع على المبعدين في هذه الفترة التواجد في أي بقعة داخل حدود بلدية القدس، بينما تعرضهم مخالفة هذا القرار للاعتقال الإداري.

وعن الأبعاد القانونية للقرار اعتبر الخبير في القانون الإسرائيلي والدولي المحامي محمد دحلة أن الحديث يدور عن إصدار قرار إداري وليس قرار محكمة، "وهو أكثر شدة وصرامة، لأنه لا يأتي بعد دراسة وتمعن من قبل القاضي، وإنما من جهة أمنية تصدر قراراتها بالاستناد إلى قوانين طوارئ سُنَّت في فترة الانتداب البريطاني في فلسطين، ولا تزال إسرائيل تستعملها حتى الآن".

وأشار دحلة في حديث للجزيرة إلى أن سياسة الإبعاد تتنصل من مبادئ حقوق الإنسان وحرياته، وهي مرحلة إسرائيلية جديدة في سياسة التطهير العرقي ضد المقدسيين، "لأن إسرائيل تريد المدينة فارغة من سكانها الفلسطينيين، ولطالما بذلت جهودا لتفعيل الترحيل الهادئ، إلا أنه لم يعد هادئا بل أصبح ترحيلا صاخبا".

متابعة قضائية
من جانبه اعتبر المقدسي المبعد أكرم الشرفا أن أغرب ما في القرار أنه تسلمه بعد صدوره بأربعة أيام "كان هذا مربكا، لأنني وجدت نفسي فجأة أجلس بشكل غير قانوني بمدينتي".

وتابع في حديث للجزيرة نت أنه لا يتصور كيف تكون حياته خارج القدس وهو لا يستطيع التعامل مع ذلك، "فأنا ولدت بالمدينة وكبرت وتزوجت ولدي أطفال وفرصة عمل، والأهم من كل ذلك المسجد الأقصى هو مسجدي، فكيف أُجبر على ترك مسجدي وبيتي وزوجتي وأولادي؟".

وقال إنه سيتوجه للقضاء الإسرائيلي رغم قناعته بانحيازه، "فالأمر خطير جدا لأنه تم إبعادنا دون عرضنا على محكمة".

ولم يكن وقع القرار مختلفا على الأسير المقدسي المحرر صالح درباس (23 عاما) من بلدة العيسوية، الذي تلقى اتصالا هاتفيا، يدعوه للتوجه لمركز تحقيق المسكوبية بالقدس، لتسلم قرار يقضي بإبعاده عن البلدة القديمة لستة أشهر، إلا أنه تفاجأ بأن القرار يقضي بإبعاده عن كامل حدود المدينة.

وقال للجزيرة نت إن هذا الإجراء ليس غريبا على الاحتلال، "ولكنه لن يُخضعنا ولن يؤثر على معنوياتنا".

وأوضح أنه مقبل على الزواج، وأول ما قام به هو تأجيل حفل زفافه، "لأنني لا أعلم ما المستجدات التي قد تطرأ بعد انتهاء مدة الإبعاد، ربما سيجدد، وربما يحول القرار للسجن الإداري".

إسرائيل صعدت حربها تجاه القدس بعد إبعاد نواب القدس (الجزيرة-أرشيف)

نقطة تحول
وصعد الاحتلال حربه تجاه القدس والمقدسيين والمسجد الأقصى بشكل لافت بعد إبعاد نواب القدس المنتخبين ووزير شؤونها السابق، وتعتقد سلطات الاحتلال -كما يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي راسم عبيدات- أن المناخ العربي والدولي يوفر لها الفرصة من أجل ابتلاع القدس والسيطرة على المسجد الأقصى.

وأضاف عبيدات في حديث للجزيرة نت أن جريمة حرق الفتى أبو خضير كانت نقطة تحول في المشهد المقدسي، حيث اتضح للاحتلال بأن الحالة المقدسية بكل مكوناتها ومركباتها عصية على الكسر، بعد دخول القدس في حلقة متواصلة من الهبات الجماهيرية المتلاحقة، دفعته لاتخاذ سلسلة من الإجراءات التي تسهم باعتقاده في إعادة السيطرة على القدس، منها سياسة العقاب الجماعي، والطرد والتهجير لعائلات الشهداء والنشطاء.

وأشار عبيدات لأهمية الحراك السياسي في التصدي لقرارات الإبعاد، قائلا "إن التعدي الإسرائيلي الأخير على المقدسيين المتمثل بالإبعاد عن المدينة، يتطلب تحركا جديا وعاجلا من قبل السلطة الفلسطينية، إضافة إلى تحركات مقدسية وفلسطينية وعربية، من أجل مواجهة هذه السياسة الإجرامية، الهادفة لتفريغ المدينة من نخبها السياسية والوطنية والدينية والمجتمعية".

المصدر : الجزيرة