أثار تقرير منظمة الشفافية العالمية الذي صنّف السودان كثالث دولة في العالم من حيث الفساد وانعدام الشفافية، ردود فعل سودانية رسمية غاضبة، وصلت إلى حد اتهام المنظمة بعدم النزاهة والتبعية لجهات معادية.

عماد عبد الهادي-الخرطوم

لا يزال تقرير منظمة الشفافية العالمية للعام الحالي، الذي وضع السودان ضمن أكثر ثلاث دول فسادا في العالم، يجابه بكثير من النقد والاستنكار الحكومي.

ودفع التقرير مسؤولين حكوميين لاتهام المنظمة والتشكيك في نزاهتها، بعدما أشاروا إلى أنها تتبع جهات معادية للسودان "الذي يتوافر على الكثير من أوجه العدالة والمحاسبة والحريات"، على حد تعبيرهم.

ولم يجد البرلمان السوداني غير اتهام المنظمة الدولية بالعمل على تحقيق مصالح جهات ما تزال ترى في السودان عدوا لها، معتبرا ذلك عملا غير محايد.

ووصفت لجنة الحسبة والمظالم والعمل في البرلمان السوداني المنظمةَ بـ"المشبوهة"، متهمة إياها بالعمل على أساس سياسي، واستقاء معلومات من منظومة دول غربية معادية تستهدف السودان، ومنظمات مجتمع مدني ذات توجهات تختلف مع رؤيته.

وقال رئيس اللجنة الهادي محمد علي للصحفيين إن السودان لم يكن مدرجا أصلا في تقرير منظمة الشفافية السنوي حتى عام 2004، "مما يعني أن هناك استهدافا واضحا للبلاد".

لكنه طالب في الوقت ذاته بالاستعجال في اتخاذ الإجراءات اللازمة لعكس الصورة الحقيقية عن السودان "بإجازة قانون حرية المعلومات الذي يتيح لكل مواطن الاطلاع على الإجراءات الحكومية المتبعة والتأكد من صحتها ومطابقتها القوانين السارية".

واتفق متابعون على أن تقرير المنظمة احتوى على مؤشرات وجوانب مهمة تستدعي مراجعتها والاستفادة منها في تحقيق أعلى درجة خلال المرحلة المقبلة.

ومنح التقرير السودان 11 نقطة قبل الصومال وكوريا الشمالية بوصفها من الدول الأقل شفافية والأكثر فسادا، وذلك في سلم يمنح صفرا للدولة الأكثر فسادا، بينما يمنح مائة نقطة للدولة الأكثر شفافية وفق معاييره.

عوض الله: السودان مطالب بمراجعة تقرير منظمة الشفافية دون حساسية (الجزيرة)

القرار السياسي
مدير مركز الفدرالية للبحوث وبناء القدرات عمر عوض الله رأى أن السودان مطالب بمراجعة ما ورد في التقرير بتبصر ودون حساسية، "خاصة أن سوء الإدارة من أهم العوامل المؤثرة على مسألة الشفافية في البلاد".

وقال عوض الله للجزيرة نت إن "الفساد في السودان لا يتعلق بالالتزام بالإجراءات القانونية الصحيحة في التعامل مع المال العام، بل بإهداره وعدم إحسان إدارة الموارد"، وأن السبب المباشر لذلك هو "سيادة القرار السياسي على القرار الفني في الخدمة المدنية وانعدام التخطيط".

وأكد أن أولويات إنفاق الموارد والمال العام -في غالب الأحيان- لا ترتبط بالحاجات التنموية وفق القرارات الفنية للمتخصصين، بل تلبي الحاجات السياسية والمكاسب الضيقة، مدللا على ذلك بمنح الدستور الوزير المعني الصلاحيات كافة، واعتباره المسؤول الأول عن شأن وزارته، وبالتالي تعلو قراراته على الإدارات الفنية مهما كان شأنها".

واستبعد الخروج من الدائرة الحالية إلا بتحصين الخدمة المدنية من القرار السياسي، وإدارة الإنفاق العام بعيدا عن القرارات السياسية، وتأكيد مبدأ الفصل بين السلطات وعلى الشفافية فعلا لا قولا، وإصدار قانون خاص بالجرائم الاقتصادية، وإيجاد جسم تنسيقي موحد للمؤسسات القائمة على حماية المال العام.

حامد: رغم استناد تقارير منظمة الشفافية إلى معايير سياسية فإنه لا يمكن تجاهلها (الجزيرة)

أجهزة الدولة
لكن رئيس قسم القانون الجنائي بجامعة النيلين يوسف عيسى حامد رأى أن التقارير ورغم استنادها إلى مجموعة من المعايير المختلفة ذات الطابع السياسي، "فإنه لا يمكن تجاهلها"، منبها إلى أن خضوع أجهزة الدولة للمعايير والنظم واللوائح وتطبيقها على أرض الواقع يشكلان أبرز ملامح الشفافية.

وتساءل في تعليقه للجزيرة نت عن معايير إدارة الدولة للشأن العام وتداول السلطة والثروة وتطبيق القانون وإنفاذه على الجميع، خاصة في الجرائم ذات الطابع الدولي مثل الرشوة المنصوص عليها في القانون الجنائي السوداني.

كما تساءل عن مدى التزام السودان بالمعاهدات الدولية، ومنها الاتفاقية المحورية للأمم المتحدة لسنة 2000 التي تضمنت أربع جرائم غسيل أموال وفساد مالي وإداري وإنشاء منظمات إجرامية وإعاقة سير العدالة.

وذهب رئيس قسم الاقتصاد السابق بكلية الإمام الهادي خضر صديق إلى أن الدفع بعدم حيادية التقارير الدولية عن السودان لا يجب أن يصرف المؤسسات المعنية عن معالجة الأخطاء الواردة التي تضمنتها.

ويؤكد في تعليقه للجزيرة نت ضرورة وضع الاعتبار لرأي الآخرين، مشيرا إلى أن "خطورة هذه التقارير ستؤثر على اقتصاد السودان والاستثمارات الخارجية كافة".

المصدر : الجزيرة