تزداد المعاناة التي يحياها أهالي اللاذقية مع انعدام توفر الخدمات الأساسية لهم، من الماء والكهرباء وغاز المنازل، في الوقت الذي وجد النظام السوري في الثورة شماعة يعلق عليها تقاعسه عن القيام بدوره في توفير هذه الخدمات للمواطنين.

عمر أبو خليل-ريف اللاذقية

اعتاد السوريون في عهدي نظام حافظ الأسد وبشار الأسد على الانقطاع المنتظم للكهرباء بحجة ترشيد الاستهلاك، واعتادوا كذلك على تقطع وصول المياه بحجه النقص في مواردها، إضافة لأزمات في تأمين غاز المنازل.

ومع تحول الثورة السورية للعسكرة تضاعفت أزمات الخدمات، ووجد النظام شماعة جاهزة يعلق عليها تقصيره في توفير الخدمات للمناطق الخاضعة لسيطرته، وهي "العصابات الإرهابية"، ويقصد النظام بهذا المصطلح الجيش الحر، قبل أن يضيف عليه لاحقا الفصائل الإسلامية.

وفي مدينة اللاذقية تدهورت الخدمات كثيرا، ويرجع ناشطون ذلك لتعمد النظام إهمالها "بهدف دفع سكانها للهجرة باعتبارهم معارضين، وسدا في وجه مخطط دويلته الطائفية المنشودة".

وفي رصد ميداني لواقع الكهرباء في المدينة المحاصرة والقرى الموالية، تفيد الناشطة الإعلامية لمياء بأن من المقرر توزيع الكهرباء ثلاث ساعات يوميا بالتناوب بين الأحياء، لكن "الانقطاع قد يستمر أياما".
الجبال الساحلية في سوريا الأغزر مطرا في شرقي المتوسط (الجزيرة)

حياة صعبة
وتضيف "هذا الحال يجعل حياة الناس أكثر تعقيدا، ويتركهم بمنأى عن ما يجري في العالم، حيث يعيشون العتمة، ويفقدون خدمات الأدوات المنزلية الكهربائية، إلا من تسمح له ظروفه المادية بشراء مولد كهرباء يعمل على الوقود، ويضطر مثل هؤلاء لترشيد استهلاكه أيضا نظرا لغلاء أسعاره".

وتصف أم وليد -وهي مواطنة من اللاذقية- معاناة المواطنين بالكبيرة، وتقول في حديث للجزيرة نت "نادرا ما تصلنا الكهرباء، وبتنا نغسل ثيابنا يدويا، ونسهر على ضوء الشموع، ونطبخ ما يكفينا لوجبة واحدة فقط لعدم وجود وسيلة لحفظ الطعام مبردا، وطالما ذهبت إلى عملي دون كي ثيابي".

وبدت المرأة في حالة قهر وهي تقول إنها تراقب القرى الموالية للنظام في جبلة والقرداحة من شرفة منزلها، حيث نادرا ما تنقطع عنها الكهرباء، وتشير إلى أن أضواء الشوارع في تلك القرى تبقى منارة حتى الصباح.

عطش رغم المياه
ويصب في البحر جنوبي اللاذقية النهر الكبير الشمالي، وهو غزير المياه، وقربها ينبع نهر السن الغزير، وإلى الشرق تقبع الجبال الساحلية الأغزر مطرا في شرق المتوسط، ورغم ذلك تفتقر المدينة لماء الشرب بسبب إهمال النظام المتعمد إرواء عطشها.

ويتساءل أبو خالد من حي الصليبة "كيف يمكن أن تكون المدينة محاطة بالينابيع والأنهار، وتعاني العطش؟، لو كانت هناك نية صادقة فيمكن استقدام المياه من ينابيع الجبال العالية بتكلفة زهيدة".

اللاذقية تشكو العطش والنظام يعلق تقصيره في مناطق سيطرته على المعارضة (الجزيرة)

ويتابع "لكن النظام لا يريدنا أن نشرب، يريدنا أن نركع، وقد قلنا وما نزال، لن نركع إلا لله".

ويوزع النظام الماء بمعدل ساعتين على الأحياء المصنفة معارضة، ويجعلها تتدفق باستمرار على الأحياء والقرى الموالية، حسب تأكيد الناشط رامز، الذي يشير إلى أن السكان يملؤون الأواني المنزلية عند وصول الماء، لتوفير ماء الشرب حتى اليوم التالي.

وتقول أم ماجد "كم يكون الحظ سيئا، أن تصل المياه مع انقطاع الكهرباء، فلا نستفيد شيئا، فهي لا تصل إلى الخزانات إلا برفعها بواسطة المضخات، التي تعمل على الكهرباء، وتكرار الأمر يجعلنا نشتري الماء من الباعة المتجولين بأسعار مرتفعة".

حكاية الغاز
وتسيطر الفصائل الإسلامية وكتائب الجيش الحر على أغلب آبار النفط والغاز، وهذا ما دفع النظام إلى منع الغاز المنزلي تماما عن المدينة، وتحميل تلك الفصائل مسؤولية ذلك.

ويقول أبو وحيد -من مواطني الرمل الجنوبي- "يقتصر إدخال أسطوانات الغاز المنزلي على ما يهربه عناصر أمن النظام، واللجان الشعبية، التي تبيعه لنا بأسعار باهظة تفوق قدراتنا الشرائية، والأسبوع الماضي اضطررت لشراء إسطوانة الغاز بثمانية آلاف ليرة أي ما يعادل أربعين دولارا".

أما رشيدة -وهي زوجة أحد المعتقلين لدى النظام- فتؤكد أنها لم تتمكن من الحصول على أسطوانة غاز منذ أكثر من ستة أشهر، وتشير إلى أنها تجمع الأوراق من القمامة وأغصان الأشجار من الحدائق، لتشغل مدفأة تستخدمها للطبخ أيضا.

وتقول للجزيرة نت "من أين لي ثمن أسطوانة غاز وأنا بالكاد أتدبر طعام أطفالي من خلال عملي في تنظيف المنازل؟ وقد تبرع لي أحد الأخيار بأسطوانة منذ شهرين، وقد فرغت الآن".

وتضيف بإصرار "نعاني من انقطاع الخبز وغلاء الأسعار، ونشهد ممارسات حواجز النظام وقمعها لنا، مهما فعلوا بنا لن نهاجر، إنها مدينتنا، قلعة الحرية والأحرار وستبقى كذلك".

المصدر : الجزيرة