يعتقد أكاديمي أن عقودا من النظام القديم في تونس أرست قيما في الصحافة أصبح من الصعب التخلي عنها بسرعة، إلى درجة احتار فيها الإعلاميون كيف يتعاملون مع الحرية بعد الثورة.

محمد أفزاز-الدوحة

خلال ندوة نظمها مركز الجزيرة للدراسات بالعاصمة القطرية الدوحة، أكد مشاركون أن المشهد الإعلامي التونسي يعيش استقطابا حادا بين القوى المحسوبة على النظام القديم وتلك التي تتمثل مبادئ ثورة 11 يناير/كانون الثاني 2011، مع حالة توتر بين الحكومة والإعلام.

وفي هذا الإطار، تحدثت المحاضرة روكسان فارمان من قسم الدراسات السياسية بجامعة كامبريدج، عما وصفته بـ"استمرار الصراع بين الممارسات القديمة ونظيرتها الجديدة، الأمر الذي أفرز ظاهرة إعلامية هجينة تشكل خطورة كبيرة على مجال الحرية الصحفية".

واعتبرت في مداخلتها أن ثمة حالة من خيبة الأمل في إمكانية حدوث تطور وانتقال في المجال الإعلامي، لوجود العديد من العوائق الهيكلية التي وضعت مصالح النخبة فوق مصالح القواعد الشعبية.

روكسان فارمان: مسارا الإعلام والديمقراطية متشابكان (الجزيرة)

استقطاب قوي
 وقالت روكسان، "لقد ترك الاستقطاب بصمته على مشهد الإعلام التونسي، ومع ذلك كلما اكتسبت النخب القديمة سلطة جديدة، أصبحت أكثر جرأة على إعاقة التحركات الديمقراطية للنخب الحديثة".

بيد أنها استدركت بالتأكيد على ظهور نخب مؤيدة للديمقراطية في مجال الإعلام خلقت مناخا عاما نشطا لم يكن موجودا قبل ثلاث سنوات، مؤكدة في الوقت نفسه أن مساري الإعلام وتطور الديمقراطية متشابكان تشابكا وثيقا، لذلك فإن نجاح أحدهما أو فشله سيؤثر على الآخر.

من جهته، ذهب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كامبريدج جورج جوفي إلى أنه بسبب الإرث الثقيل للنظام القديم ما تزال العلاقة بين المؤسسات الحكومية والإعلام بتونس تشهد توترات قوية.

وأكد في مداخلة مكتوبة أرسلها إلى الندوة، أن الفترة التي أعقبت الثورة بتونس شهدت علاقة مشحونة بين الحكومة الائتلافية ووسائل الإعلام، بسبب ما قال إنه عدم قدرة هذه الحكومة على الانفكاك عن مبدأ اعتبار الإعلام وسيلة لخدمتها.

وأضاف، "لقد كانت عمليات التكيف مع الوضع الجديد أصعب مما كان يتصور قبل الثورة، لذلك ظلت القضية الأكثر صعوبة هي كيفية تنمية علاقات إعلامية حكومية تمثل قطيعة مع وضعية التحكم التي طبعت الفترة الماضية".

وأشار جوفي في الوقت نفسه إلى وجود حالة قلق إزاء تكريس حرية الصحافة وغياب قوانين ناظمة للتعامل معها.

انعطافة 
بدوره أوضح عضو كلية داروين والباحث في معهد البحوث المغاربية المعاصرة بتونس، ألكسندر دلافيريير أنه برغم حدوث انعطافة في الإطار القانوني الذي ينظم تجربة مستخدمي الإنترنت في أعقاب الثورة، فإن  ذلك جاء بناء على رغبة كبار الشخصيات القابعة في هرم السلطة بعد حدوث تحول جذري في الروح العصرية الوطنية.

وقال في مداخلته، "حتى الآن لا توجد ضمانات هيكلية لحماية التونسيين من كبح حريتهم على الإنترنت"، مضيفا أن هياكل الاستبداد وممارساته تميل إلى الاستمرار على الرغم من التغيرات السياسية المهمة التي حدثت مع تغير النظام بتونس.

من جانبه، أكد أستاذ العلاقات العامة والإعلام بجامعة قطر، محمد قيراط، أن 53 سنة من عمر النظامين القديمين في تونس أرست قيما في الصحافة أصبح من الصعب التخلي عنها بسرعة، إلى درجة احتار فيها الإعلاميون كيف يتعاملون مع الحرية بعد الثورة.

واعتبر في تعقيب له على إحدى المداخلات أن مرحلة ما بعد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي تميزت بانهيار الإعلام التونسي، وحدوث حالة فوضى تجاذبت فيها القوى بعيدا عن هدف تكريس صناعة إعلامية تقطع مع تونس القديمة.

محمد زياني: إحداث التغيير يحتاج وقتا طويلا (الجزيرة)

حالة تفاؤل
أما أستاذ النظرية النقدية بجامعة جورج تاون في قطر، محمد زياني، فأكد استمرار علاقة توتر بين الجسم الإعلامي والمؤسسات الحكومية كنتيجة طبيعية للإرث القديم، مشيرا إلى أنه لم تكن ثمة تغيرات عميقة في الثقافة الإعلامية مما أفرز تناقضات وموازين قوى جديدة.

وقال للجزيرة نت إن إحداث التغيير المطلوب في المشهد الإعلامي التونسي يحتاج إلى وقت طويل ربما تجاوز جيلا كاملا، مبديا تفاؤله بحدوث تغيير إيجابي مع إنشاء الهيئة المستقلة لإصلاح المشهد الإعلامي.

وفي السياق نفسه، قال أستاذ الإعلام في جامعة قطر عبد الله الزين الحيدري لا يمكن التكهن بشكل دقيق كيف سيكون المشهد الإعلامي في تونس مستقبلا، لكن يمكن التأكيد بأن هذا المشهد بصدد  التشكل ليصل إلى مرحلة النضج.

وأضاف في تصريح للجزيرة نت أن ما يطبع القطاع الإعلامي حاليا هو الارتجال بسبب ما وصفه بـ"الفقر المعرفي" لدى العالمين في هذا القطاع، مشيرا إلى أن الإعلام في تونس ودول عربية عديدة ظل حبيس نظرة تقنية صرفة غير متصل بالعلوم الإنسانية والاجتماعية التي تعكس نبض  الشارع.

وأكد مدير مركز الجزيرة للدراسات صلاح الدين الزين أن الفترة المقبلة ستشهد إطلاق دراسات جديدة تعنى بالمشهد الإعلامي في كل من تركيا والمغرب، في إطار الجهود التي يقوم بها المركز وشركاؤه في رصد التحولات العميقة التي تطبع القطاع الإعلامي في مراحل الانتقال السياسي.

المصدر : الجزيرة