يرى مراقبون في كم الأحكام الصادرة وما أنتجته من خسائر مالية للصحف والصحفيين، انعكاسا طبيعيا لحالة الانقسام السياسي والطائفي في البلاد، الذي طالما استخدم الواجهة الإعلامية ذراعا للبطش والمماحكة بين الخصوم السياسيين.

جهاد أبو العيس-بيروت

رغم منافس لبنان القوية سنويا على تقلد المنصب الأول بحرية الصحافة، يقدم واقع الأحكام الصادرة عن محكمة المطبوعات بلبنان شكلا آخر قد يبدو مغايرا تماما لهذه الصورة الزاهية للصحافة اللبنانية.

فالمتتبع لحجم ونوع القضايا التي بتت بها محكمة المطبوعات في العام الجاري وتكبدت فيها صحف وقنوات فضائية مبالغ طائلة، يلحظ كيف غدت هذه الحرية مصدر إزعاج كبير للصحفيين وكسب مالي وفير للسياسيين.

وشهد العام الجاري وفرة في عدد الأحكام الصادرة عن محكمة المطبوعات، ففي ستة أشهر من مارس/آذار 2014 حتى سبتمبر/أيلول 2014 أصدرت محكمة المطبوعات 40 حكما يستهدف صحفيين، غالبيتها تتعلق بجرائم قدح وذم وتحقير.

وكان لافتا صدور 37 حكما من أصل 40 ربحها المدّعون (أغلبهم سياسيون)، وخلال هذه الأشهر الستة أيضا رفعت 36 دعوى لا يتوقع أن تكون الأحكام بشأنها مختلفة عما سبق، حسب كثير من الصحفيين.

معظم من كسبوا قضايا المطبوعات هم زعماء ونواب بالبرلمان (الجزيرة)

انعكاس للانقسام
ويرى مراقبون في كم الأحكام الصادرة وخسارة الصحف والصحفيين لغراماتها انعكاسا طبيعيا لحالة الانقسام السياسي والطائفي في البلاد، والذي طالما استخدم الواجهة الإعلامية ذراعا للبطش والمماحكة بين الخصوم السياسيين.

وحسب جريدة الأخبار اللبنانية، يتصدر النائب ميشال عون لائحة السياسيين الأكثر رفعا للدعاوى والأكثر جنيا للأموال، فالرجل -حسب الصحيفة- نجح خلال ستة أشهر في الحصول على 9 أحكام 8 منها ضد جريدة المستقبل، وصلت قيمة المبالغ التي حكمت بها المحكمة في الدعاوى التي رفعها إلى 167 مليون ليرة، منها 135 مليون ليرة من جريدة المستقبل وحدها.

أما سمير جعجع وحزب "القوات اللبنانية" فيحلان في المرتبة الثانية، إذ أصدرت المحكمة خمسة أحكام كانا هما المدعيّين فيها، وتمكنا من ربح أربع دعاوى وخسرا واحدة. وكانت حصيلة الأحكام الأربعة هي 48 مليون ليرة، منها 19 مليون ليرة استطاعا تحصيلها من الكاتب والمحلل السياسي ناصر قنديل.

ويرى الكاتب الصحفي ساطع نور الدين أنه ورغم رفضه المطلق لكثير من بنود قانون المطبوعات الحالي، يبقى برأيه أفضل من سابقه الذي كان يستسهل بشكل كبير إغلاق الصحف والإذاعات.

ويقول نور الدين للجزيرة نت إن غاية السياسي من معاقبة الصحيفة أو الصحفي ليس جني المال بقدر ما هو تسجيل نقطة ضد الجهة السياسية التي ينتمي إليها الصحفي.

وقال إن الحرية الصحفية بلبنان "ليست نتاجا للوعي أو لثقافة الرأي والرأي الآخر، بل هي نتاج توازنات طائفية ومذهبية ارتضت القوى السياسية ممارستها بعد فشل معركة فرض الإرادات بالطرق الأخرى".

 هيثم زعيتر:
الأحكام الأخيرة جاءت صادمة للصحافة والصحفيين وبدت وكأنها تستهدف المؤسسات الصحفية والمواقع الإلكترونية مباشرة

إحكام القبضة
من جهته اعتبر مفوض الإعلام في الحزب التقدمي الإشتراكي رامي الريس أن على السياسي والصحفي الخضوع لبنود القانون والأحكام القضائية التي أعطت للصحفي دور المراقب وللسياسي حق الملاحقة.

وقال الريس للجزيرة نت إن الغرامات الباهظة التي طالت بعض الصحفيين ومؤسساتهم أثرت جزئيا على أسلوب التعاطي المستقبلي عند البعض، لكنها لم تمنع البعض الآخر من مواصلة أسلوبه في تجاوز القانون نظرا لارتباطه ومؤسسته بأجندة وجهات سياسية قادرة على تحمل دفع الغرامات.

أما سكرتير عام التحرير بجريدة اللواء هيثم زعيتر فيرى من جهته أن الأحكام الأخيرة جاءت صادمة للصحافة والصحفيين، وبدت وكأنها تستهدف المؤسسات الصحفية والمواقع الإلكترونية مباشرة.

وزاد زعيتر للجزيرة نت أن الأحكام ضربت بصورة كبيرة صناعة الصحافة بلبنان التي تعاني أصلا من شح مالي كبير، وأبدى خشيته من أن تكون الغاية "إحكام قبضة السياسيين على مفاصل الإعلام وترويضه خدمة لمصالح حزبية".

وطالب زعيتر بإجراء تعديلات جذرية على قانون المطبوعات، لافتا إلى أن كثيرا من الصحف ووسائل الإعلام لم تعد تلتفت للغرامات المترتبة عليها نظرا لتوفر التمويل الخارجي الداعم لخطها.

المصدر : الجزيرة