قبل أربع سنوات من اليوم، لم يكن مألوفاً بالعاصمة السورية دمشق رؤية فتيات يعملن نادلات أو موظفات بالمطاعم والمقاهي، إلا أن الظروف التي فرضتها الحرب الدائرة بالبلاد جعلت هذا الأمر اعتياديا.

سلافة جبور-دمشق

بعد الحرب التي أصابت الاقتصاد السوري بالشلل، وتسببت في تجاوز نسبة البطالة نصف القوى العاملة -وذلك وفق أحدث تقارير الأمم المتحدة- يجد الآلاف من سكان العاصمة دمشق أنفسهم بين مطرقة الأوضاع الاقتصادية المتردية، وسندان غلاء الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة.

ومع تدهور كافة جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية بدمشق، لم تجد الكثير من الفتيات بدا من الاعتماد على النفس، وإيجاد حلول كي يتمكن من التعايش مع ظروف حياتهن الصعبة، خاصة اللواتي وجدن أنفسهن فجأة مسؤولات عن أسرهن بشكل كامل.

ويرى أبو منذر (ناشط يعيش بالعاصمة دمشق) أن الحرب السورية اليوم باتت تجبر النساء والفتيات على أعمال لم يخترنها بأنفسهن، لكنها أفضل من الوقوع فريسة الفقر والعوز وانتظار المساعدات.

المقاهي باتت مكان عمل متاح أكثر من غيره بالنسبة للفتيات (الجزيرة)

أسباب متعددة
ويضيف أبو منذر في حديث للجزيرة نت أنه "لم يعد غريبا اليوم أن نرى فتيات يعملن بمطاعم ومقاه في العديد من أحياء العاصمة مثل ساروجة والصالحية والميسات وركن الدين". 

وبات مألوفاً أن تتقدم منك فتاة لتسجل ما ترغب بتناوله أو لتحضر لك ما طلبته، الأمر الذي كان ولا يزال حتى الآن، مستهجناً لدى أغلب السوريين، ويعرض أغلب الفتيات العاملات للكثير من المضايقات.

ويقول المتحدث ذاته إن هناك العديد من الأسباب لاختيار هذا النوع من العمل من قبل الفتيات، لعل أهمها نزوح العائلة عن مكان سكنها وغياب معيلها، وعدم توفر فرص عمل أكثر ملاءمة، إضافة إلى الحاجة المادية الملحة لتغطية نفقات الحياة.

كما لا ينكر أبو منذر وجود بعض الفتيات اللواتي يعملن لأغراض غير نظيفة، وذلك في مقاه ومطاعم يغلب رجال الأمن والشبيحة على زبائنها.

ووفق أبو منذر، فإن العديد من طالبات الجامعات والمدارس قررن العمل إلى جانب الدراسة، ومنهن من اضطرت لترك الدراسة بشكل نهائي لإعالة أسرتها، خاصة وأن المعونات التي تنتظرها آلاف الأسر النازحة والفقيرة في دمشق لم تعد تغطي الحاجة المتزايدة لها.

سميرة، واحدة من تلك الطالبات الجامعيات اللواتي اخترن العمل في أحد مقاهي العاصمة، تقول للجزيرة نت إنها وبعد أن يئست من إيجاد أي عمل آخر، قررت التوجه لهذا المقهى بعد أن عرفت من زميلتها بحاجته لموظفات للعمل.

سميرة نادلة بمقهى:
الأعمال الحكومية باتت حكرا على الموالين للنظام وأصحاب الواسطات والمتنفذين، أما وظائف القطاع الخاص فمحدودة

عادات جديدة
وتضيف سميرة قائلة "الأمر كان صعبا للغاية في بداية الأمر، خاصة وأن عائلتي لم تكن موافقة على عملي في المقهى، إلا أنني قررت مواجهة كل التحديات والمضي في خياري".

ورغم ارتياحها في العمل وراتبها "المعقول" الذي يبلغ 18 ألف ليرة سورية شهرياً (أي حوالي تسعين دولارا) فإنها تطمح بالتأكيد لإيجاد فرصة عمل أفضل.

ولا تخفي الفتاة الدمشقية انزعاجها من بعض المضايقات التي تتعرض لها من الزبائن، إلا أنها ومع مرور الوقت اعتادت ذلك، كما أن الزبائن على الأغلب اعتادوا وجودها ومنهم من يشجعها ويثني على ثقتها بنفسها.

وترى سميرة أن مشكلة عمل الفتيات الأساسية في دمشق هي أن الأعمال الحكومية باتت حكرا على الموالين للنظام وأصحاب الواسطات والمتنفذين، أما وظائف القطاع الخاص فمحدودة وتتطلب مؤهلات كاللغة الإنجليزية والمعرفة بجهاز الحاسوب، وهو أمر تفتقده معظم الفتيات.

وتختتم سميرة حديثها "الحرب الدائرة في البلاد غيرتنا جميعا، غيرت كل عاداتنا وطرق حياتنا. كي تتمكن الفتاة اليوم من الحياة في دمشق بكرامة عليها أن تشق طريقها بنفسها وتتحدى كل أفكار مجتمعها وتقاليده البالية".

المصدر : الجزيرة