بعد 21 عاما أمضاها في الأسر يرى الأسير الفلسطيني المحرر -الذي رزق بثلاثة توائم- أن فرحته بالحرية وأطفاله الثلاثة لن تكتمل إلا بإطلاق سراح زملائه في الأسر، ليستنشقوا نسيم الحرية بعد المعاناة الطويلة التي يعانونها في سجون الاحتلال.

عاطف دغلس-نابلس

"فورة" و"كنتين" و"قمقم" (سخان للماء) وبلاطة لطبخ الطعام ولقاء مع الأهل لأقل من ساعة عبر الهاتف ومن خلف الزجاج.. مصطلحات لم يعد يرى فيها الأسير المحرر مقداد صلاح سوى ذكريات الأسر طوال 21 عاما في سجون الاحتلال الإسرائيلي التي يصفها بـ"مقابر الأحياء".

ومنذ أيام قليلة بشّر صلاح (49 عاما) بتوائمه الثلاثة جوري وموسى وسوار، فخفق قلبه فرحا فاق فرح الإفراج عنه في أغسطس/آب العام الماضي.

أما عمته الحاجة ندية أبو عمر فأطلقت زغرودة فرح بمواليد ابن شقيقها، مرددة أهازيج وأغاني عبرت فيها عن ما جال بخاطرها فرحا برؤيتها مقداد وأطفاله أمامها، ليكتمل بذلك حلمها بدعاء كان رديفها لأكثر من عقدين بأن تحتضنه.

يقول مقداد إن الكلمات تعجز عن وصف فرحته بأطفاله أو تعبر عن مشاعره وحلمه الذي تمناه طوال حياته، "بيد أن الحلم لن يكتمل إلا برؤية زملائي من الأسرى القدامى خارج أسوار السجون".

الحاجة ندية أبو عمر عمة الأسير المحرر مقداد صلاح (الجزيرة نت)

الحرية
ويضيف مقداد للجزيرة نت أن الحرية "لها معاني كثيرة تتعدى الزنزانة وساحة المعتقل والأسلاك الشائكة، وأن كل ذلك لم يكن سوى هاجس بددته الحرية العظمى بالإفراج والزواج والأسرة".

وقال "تزوجت بعد خروجي من السجن بأشهر قليلة، واليوم أعيش في كنف أسرتي وأطفالي بسعادة أعجز عن وصفها"، معتبرا أنه أسس مشروعا خاصا يكمل به الحلم وينسيه سنوات القهر والحرمان.

لا يزال مقداد يحفظ أسماء زملائه في الأسر وتواريخ اعتقالهم، ويتحدث إلى عائلته باستمرار عن قصصهم -كما تقول زوجته كفاية صلاح- مضيفة أنها تشعر بسعادة كبيرة وهي تقدم شيئا عبر زواجها من أسير "قضى قرابة نصف عمره في المعتقل".

ويرى مقداد أن الأسرى القدامى "كانوا وما زالوا عرضة لأي ابتزاز إسرائيلي للقيادة الفلسطينية ولإخوانهم الأسرى الذي تحرروا قبلهم وينتظرونهم".

وأفرجت إسرائيل عن نحو 86 أسيرا فلسطينيا من الأسرى القدامى ضمن ما عرفت بـ"تفاهمات المفاوضات" التي انطلقت في يوليو/تموز عام 2013 ضمن ثلاث مراحل، لكن الاحتلال عاد ورفض الإفراج عن الدفعة الرابعة والمقدرة بـ31 أسيرا جلهم من فلسطين المحتلة عام 1948.

محمد السعدي يحمل صورة ابنه الأسير رائد (الجزيرة نت)

حلم ومناشدة
ومثل مقداد وفرحته بلم شمله بأسرته وأطفاله والأسرى المفرج عنهم، يأمل الحاج محمد السعدي -والد الأسير رائد (48 عاما)- رؤية ابنه محررا قبل أن يفارق الحياة من دون ذاك الحلم الذي يراوده منذ اعتقال نجله قبل 26 عاما.

وقال السعدي للجزيرة نت إن الاحتلال يحرم جميع أبنائه من زيارة شقيقهم، بل طاله المنع وزوجته أيضا سنوات عديدة.

وحين سمح لهم بذلك أعاق كبر سنهم والأمراض التي أصابتهم تلك الزيارة، حيث فارقت والدته الحياة أواخر مارس/آذار 2013 وهي الفترة التي كان من المفترض أن يفرج عنه خلالها ضمن الدفعة الثالثة.

ولا يزال الأمل يحدو عائلة السعدي في بلدته -سيلة الحارثية غرب مدينة جنين شمال الضفة الغربية- حيث اشترت عائلته أرضا له، وتعتزم بناء منزل هناك وتزويجه فور الإفراج عنه.

ويأمل والده أن يتحقق هذا الحلم قبل رحيله، لذا يناشد القيادة الفلسطينية -والرئيس محمود عباس تحديدا- الضغط بكل الوسائل للإفراج عن هؤلاء الأسرى.

يذكر أن المطالب الفلسطينية بالإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى القدامى خفتت إعلاميا وسياسيا خلال الأشهر الماضية، خاصة بعد التصعيد الأخير في الضفة الغربية والحرب على قطاع غزة في يونيو/حزيران الماضي.

المصدر : الجزيرة