لا تخلو أي من دول العالم من وجود مشردين لكنها تتفاوت من حالات فردية إلى اعتبارها ظاهرة. وفي حالة الجزائر، يتجاوز عدد المشردين عشرة آلاف طبقا للإحصائيات الرسمية، بينما يقول آخرون إن العدد هناك أكثر من ذلك بكثير.

ياسين بودهان-الجزائر

يشتد برد الشتاء في الجزائر هذه الأيام، وتتفاقم معه معاناة آلاف المشردين في هذا البلد الغني بالنفط والغاز وغيرهما من الثروات الطبيعية.

ولم تعد مشاهدة من يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، أو من ينامون عند مداخل البنايات وأقبيتها، أمرا غريبا مع تزايد الظاهرة التي تنوعت أسبابها.

وعلى بعد أمتار قليلة من مقر البرلمان، تقع  قاعة "الموغار" للسينما وسط الجزائر العاصمة، حيث اتخذت السيدة الخمسينية "مريم. ب" من مدخل تلك القاعة مأوى لها.

تقول مريم للجزيرة نت إنها تنام عند مدخل هذه القاعة ليلا، ملتحفة رداء من قماش لا يقيها البرد، لكنها ترفض الخوض في الأسباب التي حرمتها مأوى تلجأ إليه، مكتفية بالقول إن ظروفا عائلية أجبرتها على ذلك.

واللافت في حالة مريم أنها مثقفة، وخلال الحديث معها كانت تحمل بين يديها كتابا بالفرنسية، وأكدت أن "حلمها الوحيد الحصول على وظيفة تمكنها من استئجار غرفة للحفاظ على كرامتها".

مريم ليست الوحيدة التي تعاني التشرد، وتسجل مديرية الإسعاف الاجتماعي والجمعيات الخيرية بوزارة التضامن والأسرة نحو عشرة آلاف مواطن من مختلف الفئات بدون مأوى، في المدن.

 دبوز يدعو إلى توفير العدالة الاجتماعية (الجزيرة)

ظاهرة
يقول رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان صالح دبوز إن عدد المشردين "كبير جدا" ويتوزعون على مختلف المدن الكبرى منها الجزائر العاصمة ووهران وعنابة وقسنطينة.

بينما تعتبر رئيسة الهلال الأحمر الجزائري سعيدة بن حبيلس أن ظاهرة التشرد "غربية ودخيلة" على المجتمع الجزائري، وتوضح أن هناك نوعين للمشردين، فئة أجبرتها ظروف عائلية واجتماعية على حياة التشرد، وفئة أخرى اختارت طواعية هذا النمط من الحياة.

وبخصوص الفئة الأولى، قالت سعيدة بن حبيلس إن غالبيتها من النساء اللائي يعانين مشاكل أسرية لأسباب عديدة وقد "هيأت الدولة لهم عدة مراكز إيواء على مستوى المناطق الجزائرية، ويستفيد هؤلاء خاصة خلال فصل الشتاء من الوجبات الساخنة والرعاية الصحية الكاملة".

وتضيف "رغم توفر تلك المراكز فإن هناك أشخاصا يرفضون الالتحاق بها، وتتنقل فرق من المتطوعين ليلا إلى بعض الأحياء لتقديم وجبات ساخنة للمشردين".

ويرى الخبير الاجتماعي محمد مزياني أن الظاهرة "تشكل تهديدا لوحدة وتماسك المجتمع". ويرجع أسبابها إلى الظروف الاجتماعية والإدمان وارتفاع حالات الطلاق، وتفشي العنف والبطالة، وتراجع مظاهر التلاحم الأسري، والهجرة من الأرياف إلى المدن بحثا عن العمل.

ملجأ من كارتون تقيم فيه عائلة مشردة بأحد شوارع الجزائر العاصمة (الجزيرة)

تنوعت الأسباب
ويتحدث دبوز عن أن "هناك الكثير من الجزائريين يحرمون من فرصة العمل والسكن والتعليم، وهناك آخرون يعانون من الإقصاء الاجتماعي، وبسبب نظرة المجتمع لهم يضطرون لتغيير مكان إقامتهم، وخاصة بالنسبة للنساء اللائي يرتكبن أخطاء أخلاقية".

ويضيف أن "الاختلالات التي تميز المجتمع الجزائري تتسبب في تشرد العديد من الجزائريين، الذين يجدون أنفسهم في النهاية في عالم الإجرام وخاصة الأطفال، وينخرطون بسهولة في عالم الإدمان والمخدرات".

ويشدد دبوز على أهمية تبني حلول استباقية وتصحيح الاختلالات التي يعاني منها المجتمع وخاصة المتعلقة بمنظومة الحماية الاجتماعية، والتي تحتاج  إلى معالجة جذرية لأنها تحمي الأشخاص الذين لديهم فرص عمل، ولا تحمي العاطلين عن العمل، وفق تعبيره.

كما يؤكد أن توفر العدالة الاجتماعية في توزيع السكن سيساهم في تقليص عدد المشردين لأنها هناك عائلات بأكملها تعيش بدون مأوى.

ورغم أن الحكومة رصدت موازنة كبيرة لقطاع الإسكان تقدر بأكثر من 22 مليار دولار خلال عام 2015 بنسبة تزيد على 16.20% مقارنة بـ2014 في محاولة للقضاء على أزمة السكن التي يعاني منها الجزائريون، فإن تراجع أسعار النفط يهدد هذه الخطط الحكومية بالفشل والتوقف.

المصدر : الجزيرة