السودان ليس استثناء، فمثل معظم الدول العربية والإسلامية غزت العمارة الحديثة مدنه وأصبحت السمة الغالبة لها، لهذا فقد تعالت في الآونة الأخيرة صيحات لإنقاذ العمارة السودانية الأصيلة من الضياع، إلا أن هناك من يرى أنها لا تلبي احتياجات العصر.

عماد عبد الهادي-الخرطوم

دفع الغزو الكثيف لأساليب العمارة الحديثة الكثيرين في السودان للتساؤل عن مدى ملاءمة هذا الطراز من العمارة للبيئة والصحة مقارنة بأساليب العمارة السودانية الأصيلة التي تميز بها السودان والتي جاءت نتيجة تجارب أجيال خبرت البلاد ومناخها ومجتمعها وطبيعتها.

ومنذ مدة يسود جدل في السودان بشأن مدى نجاعة إحلال العمارة الحديثة محل العمارة السودانية الأصيلة، حيث يعتبره البعض تشويها لطابع البلاد المعماري العريق تحت لافتة الحداثة ومواكبة التطور، بينما يراه البعض محصلة طبيعية لتغير أنماط الحياة وتطورها.

ويعتقد الفريق الأول أن استخدام المعمار الحديث على حساب القديم شوه الطابع الخاص للعمارة السودانية وجعل مدن السودان بلا هوية، ويرى أن المعماريين الجدد تجاهلوا كثيرا من المعطيات واتجهوا لاستيراد تصاميم ومواد بناء لا تتناسب والبيئة والمناخ المحليين.

ويؤكد عميد كلية الهندسة المعمارية في جامعة الخرطوم جمال محمود أن المعمار والبناء السوداني يلبي جميع الاحتياجات العصرية "إذا ما تم دعم عملية تطوير مواده المحلية"، وأشار إلى وجود تجارب ناجحة في هذا المجال.

عرف السودان أنماطا عريقة من البناء تعود إلى عصور قدبمة راعت المناخ والبيئة (الجزيرة نت)

ويرى محمود أن أقاليم السودان وبيئاتها المتباينة قد فرضت على السكان أنماطا معينة من المباني مثل "القبو النوبي" الذي يناسب المناخ وما توفره البيئة من مواد بناء، مثل الطوب والحجارة والأخشاب والحشائش.

غابات إسمنت
ويبدو أن هناك تيارا شعبيا يدعم توجه المعماريين السودانيين الذين يدعمون العمارة السودانية الأصيلة، حيث يقول أحمد جادين -الذي يعمل موظفا- إن البنايات الجديدة التي ما هي إلا "غابات إسمنت" ساهمت في تشويه وجه المدن السودانية بقبحها وعدم تناغمها معماريا، وتسببت بفوضى في هذا المجال.

وألقى جادين اللوم على المؤسسات المسؤولة لأنها لا تملك سياسة واضحة تحكم المباني الجديدة ومعايير محددة لتصاميمها، "وتكتفي باستخراج رخص البناء فقط"، مما فتح الباب أمام كل مواطن أو صاحب عمل لجلب تصاميم لا تراعي طابع البلاد المعماري أو تناسب بيئتها ومناخها.

وتساءل جادين متعجبا: كيف يسمح باستخدام مواد بناء مستوردة من آسيا وأوروبا وأميركا دون التأكد من مواءمتها مناخ السودان أو مدى تأثيرها على بيئته، "ولماذا لا يراعي المعماريون الحفاظ على طابع المعمار السوداني".

وأبدى المتحدث خشيته من اندثار أسلوب المعمار السوداني القديم بسبب عمليات الهدم والبناء المتواترة دون أي اعتبار للقيم الثقافية والتاريخية التي يمثلها.

أما الفريق الثاني فيرى أن التغيير يلبي الاحتياجات الجديدة لنمط العصر بتكلفة بسيطة ويضفي على المدن السودانية طابعا يواكب التطور.

ويؤيد المهندس علي سيد صادق النمط المعماري الحديث على حساب القديم "باعتباره مواكبا للتطور في العالم ويخدم الأهداف العملية والاقتصادية للمالكين"، إضافة إلى أن "العملية كلها" -من وجهة نظره- عبارة عن إنجاز معماري يلبي الاحتياجات المطلوبة ويراعي المعايير الصحية والبيئية بأقل التكاليف المالية.

بعض البنايات التقليدية فشلت بالصمود في وجه الفيضانات والطفح المائي (الجزيرة)

حلول عملية
ويعتقد صادق أن المعمار الحديث يقدم حلولا عملية لاحتياجات الناس التي اختلفت عن السابق بعكس المعمار القديم الذي كان يلبي احتياجات أقل "ويهدف للحفاظ على الطاقة مثل الضوء والحرارة ثم الهواء، وهذه لم تعد مشكلة اليوم".

وأضاف أن الاتجاهات الجديدة في عمليات البناء تنظر للمستقبل وتسعى للاستفادة من كل حديث ورخيص من مواد البناء، "الأمر الذي لا يمكن إيقافه".

ويجد هذا المنظور تأييدا من شريحة من السودانيين، حيث يرى حاتم بابكر -الذي يعمل موظفا بإحدى الشركات- أن الاعتماد على المعمار الحديث مع ارتفاع أسعار الأراضي السكنية وتعذر البناء الأفقي وتوفر مواد البناء الرأسي الذي ينتج بعض منه محليا مثل حديد التسليح كلها أسباب تشجع على اللجوء للبناء الحديث.

وقال إن المعمار الحديث أصبح مرغوبا، "لأنه يناسب طبيعة الحياة العملية والاجتماعية التي تغيرت تماما عن الماضي، بعكس المعمار القديم الذي كان يناسب السودانيين في أزمان ماضية".

غير أن عميد كلية الهندسة المعمارية في جامعة الخرطوم جمال محمود له رأي آخر في هذا الصدد، ويشير في تعليقه للجزيرة نت إلى أن زيادة الطلب على المعمار الحديث ليس سببها ارتفاع أسعار الأراضي وبالتالي استحالة التمدد الأفقي، "بل هناك دوافع أخرى منها البحث عن مظهر اجتماعي مختلف للأفراد ومظهر عالمي للشركات والمؤسسات"، مؤكدا أن "استخدام المواد الحديثة سيؤدي إلى اختفاء الطابع المحلي القديم عن المدن السودانية".

أما المهندس الفاضل علي آدم فيرى أن البناء في السابق كان يراعى فيه الظروف المناخية لكل منطقة، مثل العزل الحراري للمناطق الحارة وقلة تكاليفه الاقتصادية في المناطق الفقيرة، ولكن مع ذلك ورغم المظهر الجمالي فهناك عيوب في العمارة التقليدية لا يمكن إهمالها كقصر عمرها وتأثرها بالسيول والأمطار التي ظلت تجتاح البلاد في الفترة الأخيرة.

ويزيد أن مراكز الأبحاث طورت الطين ليكون ملائما لكافة الظروف المناخية التي تحدث في البلاد، محذرا في الوقت عينه من الاستمرار في نوعية البنايات الحالية التي لا تتواءم مع الحاجة الاقتصادية للبلاد و"التي سيتخلى عنها الجميع بعد معرفة ما تسببه من مشكلات بيئية وصحية كما حدث في دول أخرى".

المصدر : الجزيرة