على الرغم من أن الانتخابات التونسية قد وضعت أوزارها، فإن تحليلات نتائجها لا تزال تشغل السياسيين، واحدة من ظواهر هذه الانتخابات هي توجهات مواطني الجنوب الذين صوتوا بكثافة للمنصف المرزوقي، في تعبير عن غضب تاريخي للجنوبيين من سياسات النظام القديم.

هشام عبد القادر-تونس

يرصد باحثون وسياسيون علاقة أزلية بين الجنوب التونسي والغضب على منظومة الحكم القديمة، وهو ما يفسر توجه غالبية أبنائه للتصويت للرئيس السابق المنصف المرزوقي، الذي نافس الرئيس الفائز بالانتخابات الباجي قايد السبسي بشراسة في جولة الحسم الأسبوع المنصرم.

ويقرأ سياسيون ومحللون علاقة متوازية بين الجنوب التونسي وحالة المعارضة للنظام القديم في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ومن قبله الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

ممثل التنسيقية التي دعمت المرزوقي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بمدينة الحامة (جنوب شرق تونس) عمار غيلوفي، قال إن تصويت مناطق الجنوب بكثافة للمرزوقي لا يعتبر أمرا غريبا.

وقال للجزيرة نت "هذه المناطق بحكم انجذابها لمرشح الشعب والثورة وبحكم تأصل القيم والمبادئ في سكانها، فإنها آلت على نفسها ألا تختار المرشح المدعوم من النظام القديم الباجي السبسي، لأنها تعرف ماضيه وأصله"، على حد تعبيره.

مدرعات الجيش تنتشر بالحامة (جنوب تونس) بعد أعمال شغب عقب إعلان فوز السبسي (الجزيرة نت)

إرث السجون
وأضاف أن من الأسباب كذلك أن "سكان الجنوب يعرفون أن الرجل (المرزوقي) حقوقي، وأنه سينتصر للحريات والحقوق العامة، وسيدافع عنها بكل ما أوتي من قوة، في حين أن منافسه السبسي أشرف بنفسه على عمليات التعذيب في السجون عندما تولى إدارة الأمن ووزارة الداخلية في عهد بورقيبة".

وفي الإطار ذاته، تحدث كل من العربي بودية ومبروك الأحمر وعبد الرزاق يحياوي -من مواطني الحامة- وبرروا منحهم أصواتهم للمرزوقي بأنهم يعرفون جيدا "تاريخه النضالي المشرف واستماتته في الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان".

سياسيا تحدث النائب سالم الأبيض عضو البرلمان عن دائرة ولاية مدنين (جنوب تونس) عن جذور الغضب الذي حوّل الجنوبيين لأهم خزان من الأصوات لصالح المرزوقي.

وقال الأبيض للجزيرة نت "تصويت الجنوبيين بكثافة لصالح المرزوقي لا يرتبط بشكل خاص بشخصية الرئيس السابق، بقدر ما يرتبط بالبحث عن رمز يرفع شعار مقاومة النظام القديم".

وتابع "العديد من أهالي الجنوب كانوا من مؤيدي صالح بن يوسف (أحد قادة الحركة الوطنية التونسية واختلف مع الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ويُتهم الأخير بتصفيته)، وتعرضوا لمظالم سياسية كبيرة في عهد بورقيبة".

الأبيض:
تصويت الجنوبيين بكثافة لصالح المرزوقي لا يرتبط بشكل خاص بشخصية الرئيس السابق، بقدر ما يرتبط بالبحث عن رمز يرفع شعار مقاومة النظام القديم

مظالم سياسية
وأردف الأبيض "استمرت تداعيات تلك المظالم السياسية والتنموية في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ولذلك وجد العديد من أهالي الجنوب أنفسهم يقفون مع كل منظومة سياسية تعلن أنها تتناقض مع المنظومة القديمة".

ويشير أيضا إلى أنه في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي عندما كان تبني القومية العربية هو المسيطر على المشهد السياسي الشعبي في تونس، كان أهل الجنوب يميلون إلى ليبيا بقيادة معمر القذافي آنذاك".

وأضاف "وعندما جاءت الانتخابات الجديدة في وضعية مختلفة، وجد الكثير منهم أنفسهم يصوتون لصالح حركة النهضة في الانتخابات التشريعية عندما كانت تقدم نفسها على أنها ضحية للنظام القديم ومعادية له، ولما برز المرزوقي كمنافس لأحد رموز النظام القديم وهو السبسي انحاز أغلب جمهور الجنوب له".

ويخلص الأبيض إلى التأكيد على أن ما ذهب إليه هي عوامل سياسية وتاريخية، لكنها بطبيعة الحال مرتبطة بالقضية الأولى والأساسية وهي التهميش والتنمية، وقد بنت التجارب الانتخابية التي عاشتها تونس مؤخرا وجود صلة عميقة بين مدى تحسن المعيشة في أي منطقة من مناطق البلاد والخلفية الانتخابية السائدة فيها".

لكن المحلل السياسي نور الدين لمباركي اعتبر أن ما حدث في الجنوب هو أن المرزوقي استفاد مما سماه "الخزان الانتخابي" لحركة النهضة التي كانت فازت في الانتخابات التشريعية في الجنوب.

المصدر : الجزيرة