على وقع الاتهامات بتفشي الفساد والرشوة في منظومة القضاء في الصومال الذي يسعى للاستقرار بعد عقود من الحرب، يبدو الجدل مستعرا بشأن بطء خطوات إصلاح القضاء، والاتهامات للحكومة بأن بعض خطواتها في هذا الإطار تنزع عنه استقلاليته.

قاسم أحمد سهل-مقديشو

كانت قضية إصلاح النظام القضائي وتفعيل منظومة العدالة واحدة من أهم الوعود والأولويات التي حددها الرئيس الصومالي حسن الشيخ محمود لدى توليه مقاليد السلطة، في وقت تدنت وبشكل ملحوظ ثقة الشعب بالقضاء وبالمحاكم على درجاتها المختلفة، ولم تعد الأحكام الصادرة عنها تحترم لأسباب تعود لاستشراء الفساد والرشوة، مما رمى بسمعتها إلى الحضيض.

وكان الحوار الوطني الذي عقد عام 2013، وشارك فيه ممثلون من شرائح مختلفة قد خرج بتوصيات مهمة بشأن السبل الكفيلة لإصلاح القضاء، وقامت الحكومة ببعض خطوات من بينها استبدال المدعي العام بآخر، ووقف عمل القضاة بقرار رئاسي بحجة أنهم غير شرعيين، فيما يرى البعض أن هذه الخطوة غير كافية وأن مهمة إصلاح القضاء تسير ببطء شديد.

خطوات مهمة
ووفق وزير العدل والشؤون الدستورية فارح الشيخ عبد القادر فإن إصلاح القضاء بمثابة إصلاح للصومال، وأنه على ضوء ذلك حققت وزارته خطوات مهمة يتصدرها صياغة قانون إنشاء مجلس خدمة القضاء الذي يتولى مهمة إصلاح القضاء وبناء مؤسسات العدل والذي حظي بموافقة البرلمان، فيما بقي اختيار أعضاء المجلس.

ويشير الوزير إلى نجاح وزارته في إعادة هيكلة النيابة العامة التي يديرها مدع عام تم تعيينه مؤخرا بموافقة المجلس الوزاري.

وأضاف الشيخ عبد القادر للجزيرة نت أن وزارة العدل بصدد تحديث التشريعات التي يعود تاريخ بعضها إلى الخمسينيات من القرن الماضي، وتنظيم دورات تدريبية ترفع قدرات القضاة والمحامين، وذلك وفقا لمتطلبات المرحلة التي يمر بها البلد، حسب تعبيره.

إحدى المحاكمات في محكمة محافظة بنادر العام الماضي (الجزيرة نت-أرشيف)

استقلال القضاء
من جانبه يقر رئيس المحكمة العليا عيديد عبد الله إلكحنف -الذي يترأس مجلس خدمة القضاء- بأهمية وضرورة القيام بإصلاح القضاء، غير أنه اعتبر ما يجري حاليا خطوة لا تصب في مصلحة إصلاح القضاء بقدر ما هي تهدف إلى إخضاع المجلس لوزارة العدل، وهو ما يقوض استقلاليته المنصوص عليها في الدستور الصومالي.

ووصف إلكحنف -في تصريحات للصحافة مؤخرا- الطريقة التي اتبعت في تعيين المدعي العام أحمد علي طاهر، والقرار الرئاسي بوقف عمل 21 قاضيا بأنه "غير قانوني"، وأشار إلى أن الدستور يخول مجلس خدمة القضاء وحده أن يتقدم باقتراح إلى رئيس الدولة عندما يتم تعيين مدعى عام أو قضاة أو هناك إجراء لوقف عمل قضاة.

تفشي الفساد والرشوة
ويرى المحاضر في كلية الشريعة والقانون بجامعة بنادر في مقديشو محمد أحمد خليف -في حديث للجزيرة نت- أن الخطوات التي قامت بها الحكومة لإنجاز مهمة إصلاح القضاء ومؤسسات العدل بطيئة جدا ولا ترقى إلى المستوى الذي كان يطمح إليه الشعب، نظرا لمرور أكثر من عام ونصف العام على الحوار الوطني لإصلاح القضاء والذي لم يطبق كثير من توصياته التي تضمنت بنودا مهمة.

ومن هذه البنود -وفقا لخليف- مراجعة القوانين، والشروع وإعادة هيكلة نظام القضاء بالسرعة اللازمة وبما يتماشى مع متطلبات العصر، وتصفية الفاسدين من مؤسسة القضاء، وإعادة ترميم أبنية المحاكم ومؤسسات العدل وفقا للمعايير الدولية.

واتهم خليف من وصفهم بـ"ثلة من الفاسدين" بأنهم ما زالوا يتربعون على أعلى هرم السلطة القضائية علاوة على تفشي ظاهرة الفساد وتعاطي الرشاوى بشكل لافت في المحاكم.

مجمع المحاكم الصومالية في مقديشو
 (الجزيرة نت)

عقبات
ويشاطر خليف في ذلك العضو من هيئة علماء الصومال صالح الشيخ إبراهيم طبلاوي الذي وصف منظومة القضاء الحالية بالفاسدة، وأن إصلاحها مطلب شعبي وضروري.

غير أنه اعتبر مهمة إصلاح القضاء "أمرا غير هين، ويصطدم بعقبات من بينها التجاذبات السياسية، ولا سيما داخل السلطة التشريعية التي تؤدي إلى إعاقة خطط إصلاح القضاء بدوافع سياسية ومصالح شخصية وقبلية، كما قال.

واعتبر طبلاوي -في حديث للجزيرة نت- أن النقص في التشريعات، وغياب صوت وضغط المجتمع المدني للتفريق بين المفسد والمصلح ودعم برنامج إصلاح منظومة القضاء وإحداث تغيير جذري في مؤسسات العدل، من العقبات التي تقف عائقا أمام أية محاولة لإعادة هيكلة نظام القضاء وتؤخر عملية إصلاحه.

المصدر : الجزيرة