على الرغم من انجلاء المشهد السياسي في تونس بفوز حركة نداء تونس في الانتخابات التشريعية والرئاسية فإن قراءات المحللين لهذا الصعود وتراجع حركة النهضة مستمرة، في محاولة لفهم الواقع الجديد في مهد الربيع العربي.

خميس بن بريك-تونس

تنوعت قراءة المحللين والمفكرين في أسباب اتجاه أغلبية الناخبين التونسيين لمنح ثقتهم لحركة نداء تونس بالانتخابات التشريعية وانتخاب زعيمها الباجي قايد السبسي رئيسا للبلاد رغم أنه كان مسؤولا بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

وفاز حزب نداء تونس -الذي يضم أعضاء سابقين في حزب التجمع الدستوري-الذي كان يحكم البلاد قبل الثورة عام 2011، ويساريين ونقابيين ومستقلين- في الانتخابات التشريعية، وحصل على المركز الأول في البرلمان (86 من جملة 217)، في حين فاز زعيمه السبسي برئاسة الجمهورية بأكثر من 55% من الأصوات.

وبشأن ما إذا كان حزب حركة النهضة -الذي يمثل تيار الإسلام السياسي في البلاد- قد شهد انتكاسة، يقول المفكر أبو يعرب المرزوقي إن الحركة حافظت على موقعها السياسي رغم أنها "تراخت حتى تتجنب ما وقع للإخوان المسلمين في مصر".

ويوضح أن "حركة النهضة قرأت جيدا ما حدث في المحيط الإقليمي، وتراخت لتسليم السلطة لحركة نداء تونس بهدف وضعها أمام اختبار الشعب حتى يحكم عليها".

المرزوقي: النهضة لم تتأخر إلا نسبيا وما زالت تمتلك وزنا معتبرا (الجزيرة نت)

وزن معتبر
وتابع أن "النهضة لم تتأخر إلا نسبيا"، وجاءت الحركة في المركز الثاني بالانتخابات التشريعية حاصلة على 69 مقعدا، وهو ما يجعلها تمتلك وزنا معتبرا داخل البرلمان على الرغم من أنها كانت تمتلك أغلبية المقاعد في البرلمان السابق.

كما يرى المرزوقي أن فوز نداء تونس وتراجع حركة النهضة يعود لكون الأخيرة -التي تزعمت حكومة الترويكا- لم تحقق مطالب من سماهم الثوار، لافتا إلى أن صعود حركة نداء تونس للحكم لا يعني أن النظام السابق قد عاد بشكله القديم.

ويقول إن حزب نداء تونس وضع نفسه في امتحان صعب باعتباره تعهد بتحقيق مطالب الشعب، مبرزا أنه سيكون الخاسر الأكبر في حالة فشله بتحقيق أهداف الثورة، ولم يستبعد المرزوقي اندلاع ثورة جديدة إذا انقلب الحزب على المسار.

من جهة أخرى، عزا الأستاذ بعلم الاجتماع المولدي الأحمر تراجع حركة النهضة إلى أن تجربة ما يسمى الإسلام السياسي تعرضت "لنكسات كبيرة"، مشيرا إلى أن الحركة "لم تنجح في التفريق بوضوح بين إدارة الدولة بما هو فعل سياسي بامتياز وبين الدعوة الدينية".

ومضى قائلا للجزيرة نت "بسبب الخلط بين الدعوة الدينية وإدارة شؤون الدولة من طرف قيادات مؤثرة في حركة النهضة فشلت الأخيرة في حماية المؤسسات والشعب من الإرهاب".

إلى جانب ذلك، أوضح أن حركة النهضة تراجعت في الانتخابات التشريعية لأنها "لم تقدم الكثير على مستوى الملفات الاقتصادية والاجتماعية". وقال إن رفعها شعار "نكبتنا في نخبتنا" زاد من عداوة النخبة التي تصنع الرأي العام لها.

الحاج سالم: القول إن النظام القديم عاد بفوز نداء تونس مبالغ فيه (الجزيرة نت)

النظام السابق
ويرى المولدي أن هناك شرائح عديدة من المجتمع التونسي قبلت -على مضض- وجود قياديين من النظام القديم داخل حركة نداء تونس بحجة قانونية مفادها أن القضاء منحهم البراءة، وبحجة أيديولوجية أنهم يشتركون معها في مرجعيات اجتماعية تجذرت في تونس لكنها أصبحت تشعر بأن تلك المرجعيات مهددة، لأن الطرف المقابل اعتبرها دخيلة، بناء على ما ذكره.

أما بالنسبة إلى الدكتور في علم الاجتماع محمد الحاج سالم فإن القول إن النظام القديم قد عاد إلى المشهد السياسي بفوز حركة نداء تونس وزعيمها بالحكم هو قول مبالغ فيه، موضحا أن نتائج الانتخابات كانت مبنية على فرز جديد.

ويوضح أن رئيس حركة نداء تونس لم ينتخبه إلا 55% من الناخبين مقابل جزء آخر من الناخبين صوتوا ضده، "وهذه النتيجة يمكن أن تتغير من محطة لأخرى".

ويقول للجزيرة نت إن الاحتجاجات -التي تشهدها بعض المناطق- لا تعبر عن موقف ضد حزب معين بقدر ما تعبر عن تواصل الحراك الاجتماعي بسبب غياب التنمية، معتبرا أن الناس يرون أن العملية السياسية لم تفتح له آفاقا أفضل.

ويرى محمد الحاج سالم أنه لا يوجد خاسر أو رابح بالنهاية، معتبرا أن هناك توافقا مغشوشا بين حركة نداء تونس وحركة النهضة على أساس تقارب في المصالح، لافتا إلى أن البلاد تنتظر بروز قوة سياسية تتبنى مشروعا وطنيا يعدل الكفة.

المصدر : الجزيرة