يرى أهالي مدينة الحامة جنوب شرقي تونس أن المواجهات التي وقعت مع رجال الأمن وما رافقها من اعتقالات وتعذيب مقدمة غير سارة لنظام جديد، ويروي مسؤولون حكوميون ومواطنون تفاصيل ما جرى للجزيرة نت، في حين امتنعت أجهزة الأمن عن التعليق.

هشام عبد القادر-الحامة (تونس)

أجمع مسؤولون محليون ومواطنون بمدينة الحامة جنوب شرقي تونس على أن المواجهات بين شباب المدينة الغاضبين وقوات الأمن على خلفية الإعلان المسبق لنتائج الانتخابات الرئاسية وما نجم عنها من حرق مراكز الشرطة والحرس الوطني سببها الرئيسي استفزاز قوات الأمن هؤلاء الشباب.

وسعيا لتسليط الضوء على حقيقة ما جرى توجهت الجزيرة نت إلى مقر بلدية الحامة، حيث التقت عددا من وجهاء المدينة.

وقال ناصف ناجح نائب رئيس البلدية إن "الإعلان المبكر عن نتائج الانتخابات مساء الأحد الماضي وصناديق الاقتراع ما زالت في المكاتب، والتصويت في أميركا لم ينته بعد، فإذا بمدير حملة الباجي قايد السبسي محسن مرزوق يعلن فوزه بالانتخابات أعطى انطباعا لدى شباب الحامة بأن الانتخابات مزورة أو معدة سلفا، أو من قبيل الاستفزاز لأنصار المنصف المرزوقي".

وأضاف "بعد ذلك خرج الشباب في مسيرة احتجاج عفوية وسلمية في ساحة الشهداء بوسط الحامة والمحاذية لمركز الشرطة، والمثير للاستغراب كان رد الفعل العنيف من قبل رجال الأمن بإطلاق الغاز المدمع والاستفزاز الشفوي المتعمد بألفاظ غير لائقة ومشينة وتمس أعراض هؤلاء الشباب، مما دفعهم إلى حرق مراكز الشرطة والحرس الوطني".
ناصف ناجح: ما حدث مقدمة سيئة لنظام جديد يبدأ بالاعتقالات والتعذيب (الجزيرة)

اعتقال وتعذيب
وأوضح ناجح أنه في اليوم التالي تزايد عدد الغاضبين جراء استفزازات قوات الأمن، وكان الأحرى بهذه القوات أن تستوعب الموقف وتتعامل مع الشباب الغاضبين، ولكن حدث العكس حيث تم اعتقال 14 شخصا، وتم تعذيبهم قبل أن يطلق سراحهم لاحقا بعد وساطة من وجهاء المدينة مع سلطات الأمن في مدينة قابس القريبة.

وأضاف أن "ما حدث من رجال الأمن بحق هؤلاء الشباب سلوك ندينه بشدة، ونعتبره مقدمة سيئة لنظام جديد يبدأ بالاعتقالات والتعذيب".

ويتفق مع ما ذهب إليه نائب رئيس بلدية الحامة عدد من وجهاء المدينة الذين التقتهم الجزيرة نت، حيث يصف عضو تنسيقية المدينة الحسين موسى ما صدر من أفراد قوات الأمن تجاه الشباب الذين خرجوا في مسيرة احتجاجية سلمية بأنه "كان سلسلة من الإهانات والتجاوزات اللفظية والتي تعد في منطقتنا من قبيل الجريمة، ويعف اللسان عن ذكرها".

وقد حضرت الجزيرة نت اجتماعا لمسؤولي تنسيقية مدينة الحامة طالبوا في ختامه باعتذار رسمي عن ما حدث من وزارة الداخلية، ومن ما وصفوها بالمؤسسات الإعلامية المتورطة في تشويه ما حدث، ووصم أهل المدينة بالإرهابيين والتكفيريين.

كما طالبوا بمحاسبة جزائية للأمنيين المتورطين بإثارة الأحداث على التجاوزات الأخلاقية واعتقال وتعذيب المتظاهرين، ورد الاعتبار للمعتقلين الذين تم تعذيبهم بواسطة قوات الأمن.

عادل فطناسي يعرض للجزيرة نت أصبعه الذي قطعه رجال الأمن (الجزيرة)

قطع أصبع
ولاستيفاء صورة ما حدث التقت الجزيرة نت بعدد من شباب المدينة الذين شاركوا في الاحتجاجات على استباق إعلان النتائج، حيث يقول الشاب عادل فطناسي إنه كان في طريقه إلى المنزل عائدا من مكان عمله فانضم إلى المسيرة الاحتجاجية السلمية التي واجهها رجال الأمن بالسباب والشتائم والغاز المدمع.

وأشار إلى أن رجال الأمن قاموا باعتقال عشرات الشباب المحتجين كان هو من ضمنهم، واقتيد إلى أحد مراكز الأمن في قابس، حيث قاموا بتعذيبه بشكل قاس وقطعوا مقدمة أصبعه وضربوه بالأحذية العسكرية ورشوه بالماء البارد.

من جهته، يقول الشاب محمد عبيد "خرجنا عشية الأحد الماضي على خلفية الإعلان عن النتائج من قبل مدير حملة المرشح الباجي قايد السبسي بعد دقائق من إغلاق مكاتب الاقتراع، حيث تجمهر عدد من الشبان في ساحة الشهداء التي تعتبر ساحة رمزية في المدينة تجمهرا سلميا".

ويضيف "وبما أن الساحة ملاصقة لمركز الأمن فقد بادر رجال الشرطة بتفريق الجموع الغاضبة من الإعلان المستفز باستعمال مفرط لقنابل الغاز واستفزازنا بألفاظ نابية وماسة بالشرف، والمطاردة في الشوارع القريبة والقيام بتوقيف عشوائي للمارة دون ذنب ارتكبوه، مما أجج الغضب في كامل المدينة باليوم التالي، خاصة بعد توافد تعزيزات أمنية كبيرة مقابل رفض السلطات الأمنية في قابس إطلاق سراح الموقوفين الذين مورست ضدهم مختلف أشكال التعذيب في تعد صارخ على كل القوانين والأعراف وصلت إلى حد قطع أصبع أحدهم".

اجتماع لمسؤولي تنسيقية مدينة الحامة طالبوا في ختامه باعتذار رسمي (الجزيرة)

العنف يولد الاحتقان
ويتفق الشاب حلمي بن عمر مع ما قاله زميله عبيد، وقال إن "أهالي المدينة يشددون على رفضهم مختلف أشكال العنف أيا كان مصدرها، ويؤكدون أن الاحتقان سببه التعامل الأمني العنيف والمغالطات الإعلامية من طرف مراسلين لم تطأ أقدامهم مدينة الحامة أثناء الأحداث، والتصريحات المغلوطة لمسؤولين في نقابة الأمن بقابس والناطق الرسمي لوزارة الداخلية الذين اتهموا أهالي المدينة بالفوضى والإرهاب"، كما يشدد أهالي المنطقة على احترامهم العملية الديمقراطية رغم يقينهم من التجاوزات الحاصلة فيها.

يشار إلى أن مسؤولي الأمن في المنطقة ووزارة الداخلية -الذين اتصلت بهم الجزيرة نت للتعليق على ما حدث- رفضوا الإدلاء بأي تصريحات في هذا الصدد، ولم يعد هناك أي وجود لقوات الأمن في المدينة بعد تلك المواجهات، وحل محلها أفراد الجيش التونسي الذين يتولون حاليا مسؤولية حماية المرافق العامة فيها تحسبا لتجدد المواجهات.

المصدر : الجزيرة