"بيتي ليس للبيع" تستقبلك هذه اللافتة لدى دخولك المدينة القديمة في عكا، رسالة كافية لتعرف الصراع بين الفلسطيينين وسلطات الاحتلال التي تسعى لتهويد البشر والحجر، والذي يواجه بمقاومة شرسة وموقف موحد من الفلسطينيين وتشبث بالأرض.

وديع عواودة-عكا

حاسمة كانت نبرة الشيخ الفلسطيني محمود عزايزة (77 عاما) بالتمسك بالمقاومة حتى الرمق الأخير دفاعا عن منازلهم ووجودهم في مدينة عكا والبقاء فيها، ورفض تهجيرهم من جديد.

فمأساة عزايزة لم تنته عند تهجيره من قريته "اجزم" قضاء حيفا عام 1948، فالسلطات الإسرائيلية تنتهك حقه بالمأوى وتطالبه بإخلاء منزله الذي لجأ له في عكا قبل عقود.

لكن عزايزة  كبقية الفلسطينيين في المدينة يؤكد أن الهدف غير المعلن هو تهويد المدينة، وتهجير أهلها بصمت وبشكل تدريجي.

وتدعي "شركة تطوير عكا" الإسرائيلية أنها مضطرة لانتزاع منازل حي خان العمدان التاريخي من الأهالي (35 عائلة) بهدف "التطوير السياحي".

معركة ثانية بدأت على عكا القديمة قبل سنوات -يوضح عزايزة والأيام تركت ندبا على وجهه- من أجل تفريغها من سكانها الفلسطينيين الذين يشكلون ثلث سكان المدينة القديمة والجديدة.

هذه العزيمة والمقاومة تظهر لزائر عكا بشكل واضح، فكل شيء فيها يرفض الرحيل بداية بالبشر وانتهاء بالحجر، هناء جارحي (جارة عزايزة) لا تقل عزيمة عنه بالتمسك بالأرض، فهي ترفض رفضا قاطع بيع منزلها وترك مدينتها.

عزايزة: الهدف غير المعلن هو تهويد عكا وتهجير أهلها بصمت (الجزيرة)

حرب استنزاف
جارحي التي تقيم وعائلتها منذ أربعين عاما في منزل اشترته من عائلة عربية أخرى، توضح أن المعركة على عكا تحتدم بالسنوات الأخيرة وتحتاج لنفَس طويل، ودعت أهالي عكا القديمة بالثبات لأن القضية تتعدى الحق بالسكن ولها طابع سياسي واضح.

سامي هواري، مدير جمعية "الياطر" للتنمية الثقافية والاجتماعية في عكا، يتفق مع عزايزة وجارحي بأن ما يجري "حرب استنزاف" تهدف لتهجير الفلسطينيين من عكا وتغيير ملامحها العربية والإسلامية البارزة بحجة التطوير.

ويتابع أن السلطات الإسرائيلية تسيطر رسميا على ملكية نحو تسعمائة منزل، وتطالب اليوم بإخلاء 163 منزلا آخر منها، بأوامر قضائية بذريعة عدم تسديد ديون أو ترميم غير مسموح به.

ويكشف هواري للجزيرة نت أن "سلطة تطوير عكا" لا تسمح من جهة للأهالي بترميم 424 مبنى يقيمون فيها أو تخيرهم بأن تقوم هي بالترميم مقابل نفقات باهظة جدا، ومن جهة أخرى تطالبهم بإخلائها بسبب مخاطر تداعيها.

المؤسسة العربية لحقوق الإنسان ومقرها مدينة الناصرة داخل أراضي 48، تؤكد في تقريرها "عكا.. ترميم للحجر وإهمال للبشر" ما سرده أهالي المدينة.

وتجزم -في التقرير الذي صدر بالعربية والإنجليزية- بأن الحكومات الإسرائيلية دأبت على طمس معالم الوجود الفلسطيني المادي والمعنوي في عكا وبقية المدن الساحلية الفلسطينية منذ 1948.

أملاك غائبين
ويستذكر التقرير أن عكا، إحدى المدن المركزية في فلسطين، خضعت للحكم العسكري، وسيطرت إسرائيل فور الاحتلال على جميع أملاك اللاجئين الفلسطينيين فيها، ووضعتها تحت وصاية "القيم على أملاك الغائبين".

واعتبرت منازل كثيرة في عكا القديمة "أملاك غائبين" وسكانها  مجرد "مستأجرين" من  "سلطة التطوير" لا يسمح لهم حتى بترميمها وصيانتها دون إذن.

كما يُحرم الفلسطينيون من شقق جديدة خارج أسوار البلدة القديمة، مخصصة لليهود فقط، ما أدى لأزمة سكن حادة في ظل الزيادة الطبيعية.

ويكشف التقرير الحقوقي أن السلطات الإسرائيلية تعتمد الخصخصة ورأس المال اليهودي لتسويق مبان تاريخية في عكا القديمة بعضها أوقاف إسلامية، كأداة  لتهويد وتهميش الفلسطيني.

مظاهرات سابقة لأهالي عكا احتجاجا على مخططات إخلاء منازلهم (الجزيرة)

ويؤكد التقرير أن السلطات الإسرائيلية تستغل تصنيف اليونسكو عام 2001 لعكا القديمة كموقع إرث عالمي، لتنفيذ مخططات سرية ظاهرها التطوير السياحي دون أي اهتمام بحق السكان العرب بالمأوى.

المدن الساحلية
ويوضح مدير المؤسسة التي أصدرت التقرير، محمد زيدان، أن الأزمة السكنية في عكا وشقيقاتها من المدن الساحلية تاريخية، وجزء من الصراع حول الأرض والهوية، وفصل من النكبة المستمرة في المدن الفلسطينية الساحلية حيفا، يافا، اللد، الرملة.

وأشار إلى أن عكا نموذج صارخ لمشروع تهويد، ولا يكتمل مشروع الدولة اليهودية ببقاء المدن الفلسطينية فيها، ولهذا يقوم الاحتلال بتضييق مساحة الحياة الطبيعية وحرمان الفلسطينيين من الحقوق الأساسية.

ويرى أن الحل الجذري والعادل لأزمة السكن المزمنة في المدينة، يكمن في احترام حقهم المدني بالسكن ومراعاة حقوقهم التاريخية في المدينة والوطن.

كما يشدد على ضرورة تدعيم أهل عكا بالعمل الجماهيري المنظم داخل كل أراضي 48، وفضح الممارسات الإسرائيلية في العالم.

وحاولت الجزيرة نت الاتصال بالناطق باسم بلدية عكا للتعقيب على التقرير، لكنه رفض لأن القضية منظورة في المحكمة.

المصدر : الجزيرة