فضلت أم دجوار توديع ابنها وهي تنظر من الشباك العلوي للمستشفى، فأخرجت رأسها لتشاهد خروج جثمانه من براد الموتى.. لم تبك أو يُسمع لها صوت، كانت تتابع المشهد الأخير قبل دفنه في مقبرة مؤقتة تبعد عدة كيلومترات عن المكان.

كمال شيخو-الحدود السورية التركية

فضلت أم دجوار توديع ابنها وهي تنظر من الشباك العلوي للمستشفى، فأخرجت رأسها -وكان مغطى بمنديل كحلي اللون- لتشاهد خروج جثمانه من براد الموتى.. لم تبك أو يُسمع لها صوت، وكانت إلى جانبها عمته تتابع معها المشهد الأخير قبل دفنه في مقبرة مؤقتة تبعد عدة كيلومترات عن المكان.

دجوار مات منذ نحو أسبوع دفاعا عن بلدته عين العرب (كوباني)، ولا تعلم أسرته متى يمكنها العودة لإقامة مراسيم الدفن اللائقة به، ونقل رفاته كما أوصى ليدفن في مسقط رأسه.

فالمعارك الدائرة في عين العرب بين وحدات حماية الشعب الكردية بالتحالف مع تشكيلات تابعة للجيش السوري الحر بمساندة من قوات البشمركة من جهة، وتنظيم الدولة الاسلامية من جهة ثانية، دخلت شهرها الرابع، وأجبرت الأهالي على دفن مواتهم في مقبرة مؤقتة.

أم دجوار وعمته تشاهدان مراسيم جنازته
من الشباك العلوي للمستشفى (الجزيرة نت)

أهالي سروج
يدفن المقاتلون الأكراد من عين العرب في قبور حفرت على عجل في مقبرة بمدينة سروج التركية التي تبعد نحو عشرة كيلومترات على الجانب الآخر من الحدود، التي قاتلوا فيها حتى الموت دفاعا عنها.

وخصصت بلدية سروج قطعة أرض تبرع بها الأهالي معبرين عن تضامنهم مع أبناء جلدتهم، لتتحول إلى مقبرة خاصة بأهالي عين العرب.

وتحدثت رئيسة بلدية سروج زوهال مامو أن الأهالي تجمعهم أواصر قرابة مع سكان عين العرب، مشيرة إلى تقديم ما أمكن لهم في هذه المحنة، فهي "أزمة كردية ونحن معنيون بها بالدرجة الأولى".

وأضافت مامو في حديث للجزيرة نت "نتكفل بعلاج المصابين الجرحى ومعالجتهم في مستشفياتنا، كما نرسل الأدوية والمعدات الطبية إلى كوباني، ونقوم بتغطية جميع نفقات اللاجئين في المخيمات بسروج وقراها".

وقبل أسبوع، نقلت جثامين خمسة مقاتلين أكراد من وحدات حماية الشعب الكردية، قضوا متأثرين بجراحهم جراء المعارك الدائرة منذ ثلاثة أشهر.

المئات تجمعوا في سروج لتشييع
قتلى معارك عين العرب (الجزيرة نت)

التضحية
وتجمع نحو خمسمائة من المعزين في ساحة المستشفى من الرجال والنساء من أهالي وذوي المقاتلين بمشاركة أكراد سروج، وفي المقبرة ألقى رجل دين من أكراد تركيا عظة عبر مكبر للصوت أثنى فيها على القتلى بوصفهم شهداء، ودعا الآخرين إلى التضحية بأرواحهم للدفاع عن المدينة الكردية.

وجلست دورسون وزوجها إلى جوار قبر ابنهما الذي قتل قبل نحو شهر، تحدثت بصوت خافت وحزين يبدو على وجهها تعب سنواتها الخمسين لتقول "إنه قلبي وكان أغلى ما لدي"، تابعت وهي تتنهد "لم أعرف كيف مات، نقلت جثته في صندوق ولم أرغب في فتحه، كنت أخشى مشاهدة ابني كومة أشلاء".

شرفان مقاتل كردي من وحدات حماية الشعب، اضطر إلى ترك ساحة المعركة بعد إصابته بشظية في ساقه اليسرى، لينقل على أثرها منذ عشرة أيام إلى مستشفى سروج للعلاج.

يروي شرفان للجزيرة نت ما حدث له ويقول "عندما تقدمت دبابة باتجاهنا ارتدى أحد رفاقي حزاما ناسفا واتجه إليهم وفجر نفسه، وبعد اشتباكات عنيفة أصبت أنا وتوفي اثنان من أعز أصدقائي".. توقف فجأة عن الكلام بعدما اغرورقت عيناه بالدموع، قبل أن يضيف "دفناهم على عجالة في بهو منزل.. لم نكن قادرين على نقلهم.. كان الرصاص مثل زخات المطر".

المصدر : الجزيرة