انخرط الأردن خلال 2014 بحملة على التيار السلفي الجهادي على أراضيه إلى جانب مشاركته في قتالهم بسوريا، كما أعاد منظر التيار أبو محمد المقدسي إلى السجن. جاء ذلك وسط انخراط أكثر من ألف أردني بالقتال إلى جانب جبهة النصرة.

محمد النجار-عمّان

لا يخفي مراقبون للمشهد السلفي الجهادي اعتبار عام 2014 فارقا في المشهد الأردني، بعد ثلاثة أعوام من تمدد التيار وتحوله للاعب أساسي في المشهد السوري، إذ أمد تنظيمي جبهة النصرة والدولة الإسلامية بأكثر من ألف مقاتل، وهو ما أعاد تسليط الضوء على التيار الذي لعب أدوارا مماثلة بعد احتلال العراق عام 2003.

أبرز تطورات المشهد تمثلت في براءة المنظر المعروف للتيار السلفي الجهادي عمر محمود عثمان الشهير بأبي قتادة، والذي حاز على حكم بالبراءة من محكمة أمن الدولة الأردنية بعد 14 شهرا من تسليمه من قبل بريطانيا، التي خاض فيها أبو قتادة معركة قضائية امتدت على مدى 13 عاما اعتقل خلالها، وانتهت باتفاقية رحل بموجبها إلى الأردن، وشكلت ضماناتها طوق نجاة للرجل الذي كان يلقب من قبل وسائل إعلام أجنبية بسفير تنظيم القاعدة في أوروبا.

ومنذ إطلاق سراحه في سبتمبر/أيلول الماضي، حافظ أبو قتادة على قدر من الصمت، إلا أنه صرح في غير مرة -ومنها أول مقابلة معه في الجزيرة نت- بمواقفه المعلنة من تنظيم الدولة الإسلامية، عوضا عن استشرافه بأن المستقبل للجهاديين.

أبو قتادة برئ من قبل محكمة أمن الدولة (الجزيرة)

قبل هذا الإفراج بثلاثة أشهر، كانت السلطات الأردنية قد أفرجت عن المنظر البارز أيضا في التيار عصام البرقاوي الشهير بأبي محمد المقدسي في يونيو/حزيران 2014، بعد ثلاثة أعوام قضاها في السجن إثر اتهامه بدعم حركة طالبان الأفغانية.

لكن رحلة المقدسي مع السجن تجددت بعد شهر واحد من الإفراج عن أبي قتادة، حيث جرى اعتقاله وإيداعه السجن بعد أن وقع على بيان يرفض فيه التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة ويصفه بـ"التحالف الصليبي".

وكان المقدسي قد كشف للجزيرة نت قبل أيام فقط من اعتقاله أن ضابطا كبيرا في المخابرات الأردنية أبلغه قبل نحو 15 عاما أنه سيقضي "حكما بالمؤبد بالتقسيط" مفسرا قضاءه 16 عاما منذ عام 1993 في السجون الأردنية.

المشهد الجهادي الأردني ظهر بشكل لافت قبل ذلك في إعلان انضمام القيادي البارز بالتيار السلفي الجهادي الدكتور سعد الحنيطي لتنظيم الدولة الإسلامية، حيث انتقل لسوريا اعتبارا من مارس/آذار الماضي. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي انضم لتنظيم الدولة أحد أهم مناصريه في الأردن، وهو عمر مهدي زيدان، الذي انتقل إلى العراق عن طريق التهريب وفق ما أفاد سلفيون جهاديون.

وزيدان هو شقيق محمود مهدي زيدان، المسؤول الشرعي السابق في حركة طالبان، الذي قضى بغارة أميركية على منطقة وزيرستان في باكستان عام 2009.

250 معتقلا
ومن أبرز تطورات المشهد كان الحرب المعلنة التي أعلنها الأردن على السلفيين الجهاديين، لا سيما من المؤيدين لتنظيم الدولة الإسلامية. حيث اعتقلت السلطات خلال عام 2014 أكثر من 120 من السلفيين الجهاديين، ليرتفع عدد المعتقلين من التيار إلى نحو 250.

ويحاكم معظم المعتقلين الجدد بتهم "الترويج لتنظيمات إرهابية" ولا يوجد في ملفات اتهام الغالبية العظمى منهم سوى القيام بكتابة ما اعتبر تأييدا لتنظيم الدولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو الإعجاب بمقاطع فيديو أو صور أو تغريدات أو مشاركتها، بل إن بعضهم تمت إحالته للمحكمة بعد أن حقق معه بنقل صور ومقاطع فيديو عبر تطبيق الرسائل "واتس أب".

أبو محمد المقدسي قيل له إنه سيقضي حكما مؤبدا بالتقسيط (الجزيرة)

هذه الحرب الأردنية تزامنت مع تشديد الخناق على الجهاديين، وتوسيع عمليات استدعائهم لدائرة المخابرات العامة أو اعتقالهم لمدد متفاوتة، حيث أحصى قيادي في التيار قيام المخابرات الأردنية باستدعاء نحو خمسمائة من المنتمين للتيار عام 2014، تعرض أغلبهم للتحقيق على فترات، بينما تم إيقاف نحو مائة منهم على الأقل لفترات متفاوتة قبل الإفراج عنهم دون محاكمتهم.

وتزامنت الحملة الأردنية على التيار السلفي الجهادي مع إعلان الأردن انخراطه في التحالف الدولي على تنظيم الدولة الإسلامية، وقيام طائراته بتنفيذ غارات على مواقع للتنظيم في العراق وسوريا، وارتفاع نبرة النقاش السياسي الأردني من احتمالات إرسال المملكة قوات لمحاربة التنظيم في العراق أو سوريا. وبالرغم من النفي الرسمي لوجود توجهات بهذا الخصوص، يؤكد سياسيون أن الموقف الرسمي قد يتغير في ظل المتغيرات على الأرض، وخاصة اقتراب تنظيم الدولة من حدود الأردن مع العراق.

موجة 2003
ويذكر قياديون في التيار السلفي الجهادي، وباحثون في شؤون الجماعات الإسلامية، أن موجة الحرب الأردنية الحالية على التيار الجهادي -والتي تأخذ طابعا أمنيا- مماثلة لموجة كانت بُعيد احتلال العراق عام 2003 وظهور تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي قاده أبو مصعب الزرقاوي (قتل بغارة أميركية عام 2006). لكن هؤلاء جميعا يشددون على أن الظروف هذه المرة تغيرت، نظرا لمشاركة التيار الفاعلة في الحرب في سوريا، واتساع عدد المنتمين له إلى نحو سبعة آلاف وفق تقديرات محايدة، وهو ما جعل خبراء وسياسيين يحذرون من إبقاء ملف التيار أمنيا فقط، خاصة أن ذلك قد يؤدي لمواجهة تضعف معادلة الاستقرار الأردنية التي لا تزال رقما مهما في ظل الحروب والتوترات التي تعصف بالدول المحيطة بالأردن، شرقا في العراق وغربا في فلسطين وشمالا في سوريا.

المصدر : الجزيرة