أسباب عدة جعلت قبور القتلى بمدينة دير الزور السورية بلا شواهد، فهي في نظر البعض "قبور مؤقتة" حتى تضع الحرب أوزارها ويتم نقل رفات من بها لقبور أخرى، بينما يدفن تنظيم الدولة الإسلامية قتلاه بها خوفا من عمليات انتقام.

ياسر العيسى-دير الزور

"في دير الزور مساحات تغنينا عن هذه الأحكام". هكذا أخبر الشاب مؤيد زميله وهما يهمان بالخروج من قاعة المحاضرات في كلية الشريعة بدمشق، بعد محاضرة عن أحكام الجنائز.

كان ذلك قبل عشرة أعوام، لكن ما حصل ويحصل في مدينته منذ نحو عامين ونصف العام جعلته يروي هذه الحادثة كلما شارك في دفن قتيل بسبب القصف أو الاشتباكات.

تكتظ إحدى حدائق مدينة دير الزور بقبور سقط أصحابها على مدار السنوات الماضية، وحال الوضع الميداني دون دفنهم في مقابر المدينة النظامية التي تقع على طريق دير الزور-دمشق.

وعند سيطرة المعارضة على أغلب أحياء المدينة في يونيو/حزيران 2012، اضطر من تبقى من سكانها إلى دفن ضحايا القصف في حديقة حي الشيخ ياسين، وذلك على مبدأ "الوديعة"، أي قبور مؤقتة لم تأخذ بالاعتبار شروط الدفن المعتادة، لأنها "قبور انتقالية" حتى تنتهي الحرب ثم يتم نقل الرفاة إلى مقابر المدينة النظامية، حسب الناشط مصعب الحمود.

ويضيف في حديث للجزيرة نت أن "الدفن وفق هذا المبدأ اتفق عليه من تبقى من سكان المدينة، وظهرت أصوات تدعو إلى جعلها مقبرة دائمة، آخذين بالاعتبار الجانب الشرعي، وهناك من أراد الإبقاء عليها لتكون شاهدا على الثمن الذي دفعه الشعب السوري من أجل نيل حريته".

ولم تقتصر القبور بعد ذلك على حديقة الشيخ ياسين، بعد أن تجاوز عدد الموتى فيها الخمسمائة، إذ اضطر الأهالي وفصائل المعارضة إلى التمدد لحدائق أخرى بدأت تضيق هي الأخرى بعدد القبور.

قبور بلا شواهد في دير الزور (الجزيرة)

قبور بلا شواهد
أما الجديد، فقد بدأ عندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة، وقُتل العشرات من مقاتليه الأجانب، أو من يطلق عليهم "المهاجرون"، وهم من دول عدة منها: الشيشان، وفرنسا، ومصر، وتونس، وتركمنستان، وألبانيا، وطاجكستان.

لكن ما يميز هذه القبور هو عدم وجود أي دلالة على أصحابها، بعكس ما هو موجود في القبور الأخرى التي يتم وضع تفاصيل عن صاحب القبر.

ويقول أبو الحارث الشامي -عضو هيئة شرعية سابق- "للتعتيم على من في هذه القبور جانب شرعي، وهناك أسباب أمنية وعسكرية تتعلق بسياسة التنظيم القاضية بعدم إعطاء أي معلومات عن قتلاه أو المنتمين إليه، وخاصة المهاجرين".

ويؤكد الشامي في حديث للجزيرة نت أن "التنظيم يخشى أيضا من أي عمليات انتقامية ونبش للقبور، ربما تحصل يوما ما كرد فعل على سياسته ونهجه العسكري والقمعي".

وأضاف "المعلومات لدي تؤكد أن رفض الكشف عن أصحاب القبور يعود أيضا إلى أن كثيرين منهم عبارة مقاتلين أعدمهم التنظيم عند محاولتهم الانشقاق، أو العودة إلى بلادهم، لذلك تم قتلهم ودفنهم سرا حتى لا يعلم زملاؤهم، الذين يظنون أنهم يقاتلون في ولايات أخرى".

حفر القبور في الحدائق مشهد اعتاده أهالي دير الزور (الجزيرة)

جيران المقابر
وهناك قبور في حدائق دير الزور لا تحتوي إلا على أشلاء من فيها، جراء القصف الذي تتعرض له المدينة، وهناك قبور لأب وأطفاله، أو لأم وأطفالها.

مقابر دير الزور التي فرضتها ظروف الحرب تميزت بزوارها الدائمين الذين لم يملوا ارتيادها يوميا، فهناك أشخاص بات يطلق عليهم "جيران المقابر"، لأنهم تعارفوا في إحدى المقابر، ومنهم كريمة الحمود (أم حسن)، التي استشهد طفلها وزوجها في قصف على حي الحميدية منذ نحو عامين.

وتأتي كريمة بشكل يومي إلى المقبرة برفقة طفلتها الصغيرة، رغم مخاطر القصف اليومي الذي تتعرض له المدينة.

وعبّرت للجزيرة نت عن عدم اكتراثها بالخطر، وقالت إن المهم هو زيارة زوجها وطفلها يوميا ومجاورتهم، مشيرة إلى أنها عقدت أيضا صداقات مع أخريات في المقبرة، حيث يتشابهن في فقد الأزواج والأبناء.

المصدر : الجزيرة