شكلت الأزمة الأوكرانية قمة جبل جليد بعلاقات روسيا بالولايات المتحدة والغرب عموما، فالتوتر بدأ مبكرا، ويعتقد محللون روس أن أجواء الحرب الباردة لم تغب عن الساحة الدولية، لكنها كانت في حالة جمود قبل أن تعيدها الأزمة الأوكرانية.

أشرف رشيد-موسكو

فيما تحتفل ألمانيا بمرور ربع قرن على سقوط جدار برلين الذي مهد لإنهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي تتوالي التقديرات المتشائمة لمستقبل العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، مع ترجيحات بتصاعد التوتر القائم، بسبب الأوضاع في شرقي أوكرانيا.

وجاءت مغادرة الرئيس الروسي فلاديمر بوتين قمة العشرين التي عقدت مؤخرا في أستراليا على عجل، وقبل صدور بيانها الختامي، وتحذيرات الرئيس باراك أوباما لموسكو من أن روسيا ستبقى معزولة إذا بقيت على موقفها من الأزمة الأوكرانية لتصب في خانة هذه التقديرات.

يقول رئيس تحرير مجلة "قضايا إستراتيجية" -أجدار كورتوف- إن المواجهة بين موسكو وواشنطن أصبحت أكثر وضوحاً بعد قمة العشرين، التي شهدت -حسب رأيه- لهجة غربية عدائية وتثبيتا لنهج تشديد العقوبات ضد روسيا.
 كورتوف: المشهد الجيوسياسي في العالم تغير بشكل حاد في الأعوام الأخيرة (الجزيرة)

تغير الموازين
وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن الحرب الباردة لا يمكن أن تعود، وعقارب الساعة لا يمكن أن ترجع للوراء، وإنما هناك تغيير في المعطيات، والولايات المتحدة وإن تحدثت بنبرة حادة، فإنها في الحقيقة نبرة ضعف.

وأوضح أن "المشهد الجيوسياسي في العالم تغير بشكل حاد في الأعوام العشرة الأخيرة"، مع ظهور قوى عظمى جديدة على الساحة الدولية، لديها قدرات اقتصادية هائلة، ولديها تصوراتها الخاصة لكيفية بناء العلاقات الدولية.

ولفت كورتوف إلى وجود شواهد على ذلك، فعلى سبيل المثال الولايات المتحدة منذ ما يزيد عن العقد من الزمن لم تربح في أي مواجهة عسكرية خاضتها ابتداء من أفغانستان.

وعلى الصعيد السياسي تعرضت لإخفاقات كثيرة في فرض رؤيتها لحل العديد من القضايا ولا سيما الملف النووي الإيراني وسوريا وأوكرانيا. وفشلت الولايات المتحدة في منع ظهور قوى دولية جديدة مثل الصين والهند وروسيا، وقوى إقليمية مثل إيران وتركيا.

لكنه نفى أن تكون روسيا هي القطب البديل المؤهل لاستعادة إرث ونفوذ الاتحاد السوفياتي، لأنها لا تملك أرضية أيديولوجية جامعة، كالتي قدمتها الشيوعية خلال الحرب الباردة، "لكنها في الوقت نفسه مؤهلة لأن تشكل ثقلا مهما، تلتقي مصالحه مع مصالح دول أخرى لا ترغب بالخضوع للهيمنة الأميركية".

واعتبر أن "الأزمة الأوكرانية ليست القضية الخلافية الوحيدة بين روسيا والغرب، لكنها شكلت نقطة فارقة في احتدام الصراع في ملفات أخرى كالشرق الأوسط وإيران.

 زينين: التناقضات بين روسيا والغرب وصلت ذورتها في أوكرانيا (الجزيرة)

ذروة الصراع
أما المحلل السياسي يوري زينين فيقر بعودة أجواء الحرب الباردة، معتبرا أن سياسة الكيل بمكيالين هي السبب في التأزم، ذلك أن الغزو الأميركي للعراق وانتهاك أطر الشرعية الدولية أفسح المجال لممارسات مشابهة، كتلك التي تتهم بها روسيا.

ويتابع "علما بأن الأسس القانونية والروابط التاريخية والجغرافية التي تربط روسيا بأوكرانيا والقرم، لا يمكن مقارنتها بروابط الولايات المتحدة والعراق واعتدائها على سيادته وسيادة غيره من الدول".

وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن التناقضات بين روسيا والغرب وصلت ذورتها في أوكرانيا، وكان هذا نتاج تراكمات منها الحرب الروسية الجورجية، والنزاع السوري، والدرع الصاروخية وغيرها، وهذا دفع موسكو لإعادة ترتيب أوراقها، وتنفيذ برامج طموحة لتحديث الجيش وإعادة تشكيل تحالفاتها مع الصين ودول معاهدة الأمن الجماعي.

وأعرب زينين عن قناعته أن "العقوبات الاقتصادية سلاح ذو حدين"، لأن عواقبها ستكون مدمرة للطرفين. خاصة أن القارة الأوروبية تمر في أزمة اقتصادية طاحنة، وتحتاج إلى العلاقات التجارية مع روسيا، ربما أكثر من احتياج الأخيرة لها.

الحرب لم تتوقف
الخبير في العلاقات الروسية الأميركية أندريه أونتيكوف اعتبر أن الحرب الباردة لم تتوقف، وإنما مرت بمرحلة من الجمود، بسبب انهيار الاتحاد السوفياتي وهيمنة الولايات المتحدة عالميا.

ويدلل أونتيكوف على ذلك بمقالة للكاتب الصحفي الأميركي المحافظ تشارلز كراوثامر بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في العام 1991 قال فيها إن "الولايات المتحدة حصلت على فرصة ذهبية لإقامة النظام العالمي الجديد الذي تطمح إليه".

وأضاف -متحدثا للجزيرة نت- أن "روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي كانت منفتحة على الغرب وأعلنت انتهاء الحرب الباردة، وتوقعت في المقابل أن تكون شريكا مقبولا لدى الغرب، ولكن سرعان ما تبين لها أن الغرب كان ينوي احتواءها".

وتابع أن روسيا الآن دولة قوية تمتلك ثروات هائلة وهي لاعب أساسي على الساحة الدولية، بالتالي لم تعد تقبل بسياسة القطب الواحد، واستحواذ الولايات المتحدة على القرار الدولي.

المصدر : الجزيرة