بعد هدم كل ما فوق الأرض، وصلت تداعيات الحرب في سوريا إلى بقايا حضارات عتيقة ظلت تحت التراب لقرون طويلة، حتى دق الفقر أبواب سكان مدينة منبج الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة فهرعوا يعملون على نبش مخلفات الأقدمين لبيعها لحساب التنظيم.

نزار محمد-ريف حلب

تفيد الأخبار الواردة من المناطق التي تقع ضمن سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا بوجود حركة نشطة للتنقيب عن الآثار وبيعها لمافيات دولية متخصصة.

ويبدي بعض السوريين تخوفهم من أن تلك النشاطات ستؤدي لاختفاء إرث حضارات كاملة نشأت في سوريا في فترات مختلفة من التاريخ.

ونتيجة للوضع الاقتصادي الصعب لسكان تلك المناطق، لم يجد تنظيم الدولة صعوبة في استخدام عمال يعملون على التنقيب عن الآثار لمدة 12 ساعة يوميا، مقابل خمسة دولارات أميركية لا غير.

في المقابل ارتفعت نسبة تجار الآثار في البلدان المجاورة، وأصبحت مركز جذب لخبراء آثار أجانب سكنوا في تلك الدول بهدف تلقف وشراء الآثار المهربة من سوريا.

وفي مدينة منبج، يستخدم تنظيم الدولة الإسلامية مجموعات من المستخدمين يتم تقسيمهم على مجموعات تعمل تحت إمرة عناصر موثوقة من التنظيم بحسب أبو عمر، أحد سكان منبج.

حجر كريم وزنه 89 غراما يقول صاحبه إنه يعود للعهد البيزنطي (الجزيرة)

مقتنيات التنظيم
ويقول أبو عمر للجزيرة نت "في حال أثمر الحفر عن العثور على قطع أثرية، يتم ضمها لمقتنيات التنظيم".

ويؤكد إياد الصالح -وهو أحد المطلعين على نشاطات التنظيم في منبج- أن التنظيم يرسل قطعا أثرية إلى أكبر مراكز التجارة بالآثار في مدينة غازي عنتاب التركية بصحبة أناس موثوقين يعملون معه، ويجري بيعها بشكل سري للتجار الأتراك.

ويضيف "ويعتبر التنظيم أن التجارة بالآثار حلال، لا سيما أنها تفيد دولتهم وتدعم اقتصادها".

وكانت صحيفة التايمز البريطانية قد نشرت في وقت سابق تقريرا يتحدث عن تجارة الآثار في سوريا، وجاء ضمن التقرير أن تنظيم الدولة يعزز موارده العسكرية عن طريق بيع الآثار للغرب، بحسب كلام ويلي بروجيمان أحد الضباط الرفيعي المستوى ممن يكافحون تجارة الآثار.

أما  سامر الحسين -أحد سكان منبج ويملك قطعة أثرية- فيؤكد أنه تلقى بعض العروض لبيع قطعته الأثرية، لكن البعض قد نصحه بالذهاب إلى تركيا، ففيها يدفع التجار مبالغ أكبر، بحسب قوله.

ويتحدث أبو رائد -الخبير بالآثار في ريف حلب- عن مشاهدته لآلاف القطع الأثرية التي يبلغ سعر الواحدة منها عشرات آلاف الدولارات، لكن الناس باعوها بأسعار بخسة، بحسب تعبيره.

آثار مهددة بالسرقة في مدينة منبج بريف حلب (الجزيرة)

ورش حفر
ويضيف في حديث للجزيرة نت "نسبة كبيرة من الناس فتحت ورش حفر ضمن المنازل، والفقر سبب لجوء الناس لذلك".

وحول القوانين التي تحكم مهربي الآثار، يقول المحامي عاصم الزعبي "وقعت سوريا على العديد من الاتفاقيات الدولية لحماية التراث الثقافي، وأهمها اتفاقية لاهاي عام 1954، أما اليوم فانقسم القضاء بين تابع للنظام وآخر للمعارضة، لذلك لا يمكن تطبيق القوانين المحلية على مهربي الآثار".

من جانبه، يؤكد مدير جمعية حماية الآثار السوريّة بجامعة ستراسبورغ، الدكتور شيخموس علي، أن هناك مراكز لتجارة الآثار في منبج بريف حلب، ويتم إرسال القطع الأثرية إلى أورفا وغازي عنتاب بتركيا ومنها يتم تهريبها إلى المافيا الدولية في أميركا وأوروبا والخليج العربي، بحسب قوله.

ويردف كلامه للجزيرة نت قائلا "المسألة لا تقتصر فقط على التهريب، فهناك قصف جوي مستمر، وتحويل للمناطق الأثرية إلى عسكرية، وعمليات حفر عشوائي بقصد سرقة الآثار، وهذا يؤدي إلى فقدان جزء من تاريخ وإرث بلدنا".

المصدر : الجزيرة