تحول الدواء في محافظة الحسكة السورية من مادة أمل لشفاء للمرضى إلى سم يحمل خطر الموت لمن يتعاطاه، فالدواء هناك إما مغشوش أو مهرب، وحتى لو كان صالحا فإن وصفه من قبل غير مختصين وبيعه في دكاكين لا يقل خطرا.

أيمن الحسن-الحسكة

ألقت المأساة السورية بظلالها على الوضع الصحي في البلاد، ففي محافظة الحسكة تنتشر الصيدليات غير المرخصة و"الدكاكين" التي تبيع الدواء المحلي والمهرب وسط غياب ضوابط تحد من خطر الظاهرة التي تكلف الكثيرين حياتهم جراء وصفات طبية خاطئة.

وأفرزت الحالة "سوقا سوداء" للأدوية وتجارا متخصصين في تهريبها إلى الحسكة التي لها حدود طويلة مع العراق وتركيا، وذلك في ظل غياب رقابة على تجارة الدواء وضوابط بيعه وتحديد شروط من يقوم بذلك.

ويقول الصيدلاني جواد عبيد إن الأدوية المهربة وجدت طريقها إلى الحسكة قادمة من باكستان والهند وإيران إلى العراق انتهاء بسوريا كون الحدود الشرقية لسوريا مفتوحة.

وحذر من أن معظم هذه الأدوية إما منتهية الصلاحية أو فاسدة، وقد تسبب التحسس، كإبر الحديد والكورتيزون، ومثبتات الحمل أو بعض التركيبات الدوائية الممنوعة دوليا، والتي يدخل في تركيبتها "الكودائين"، و"الكفالجين" بنسب عالية والتي يمكن تسميتها الأدوية المخدرة.

الأدوية المهربة تتدفق على الحسكة (الجزيرة)

خطر الموت
ويذكر الشاب ثامر من ريف الحسكة الشرقي أن والده كاد يفقد حياته جراء تناوله حبة مسكن ضمن وصفة طبية من صاحب إحدى الصيدليات غير المرخصة "كل مؤهلاته أنه يعرف الإنجليزية، فقرر أن يفتح صيدلية دون أن تكون لديه خبرة فكنا نحن الضحية".

وأضاف أن أصيب والده بثقب في المعدة بسبب تلك الوصفة, وخضع لعملية جراحية ورقد 15 يوما في المستشفى.

أما ملاذ اليوسف -وهو أحد أبناء الحسكة- فقال إن الصيدليات كانت موجودة وبأعداد كبيرة في المحافظة، لكنها قلت تدريجيا بسبب المعارك ومن ثم ظهرت الصيدليات غير المرخصة و"الدكاكين" التي تبيع الأدوية "بعد انهيار المؤسسات في الريفين الجنوبي والشرقي للحسكة، ومنها المستوصفات الصحية، ورحيل الأطباء وأصحاب الصيدليات".
 
ومن خلال تجربته مع المرضى، قال الطبيب عبد الله إن مريضا من مدينة الشدادي يعاني من آلام المفاصل أصيب بترقق عظام وكسر في عنق الفخذ نتيجة تعاطيه "الكورتيزونات القشرية" وصفها له أحدهم ممن يفتقدون الخبرة، مع غياب الصيادلة العارفين بأضرار هذه الأدوية.

 الأدوية لا تخضع لرقابة وتفتقد شروط التخزين السليمة (الجزيرة)

التسمم الدوائي
وأشار إلى تزايد ظاهرة بيع أدوية مجهولة المصدر "خاصة الصينية والهندية والعراقية التي غالبا ما تكون معرضة لإشعاعات، أو ظروف تخزين سيئة".

ونبه إلى أن التسمم الدوائي يحدث أيضا "نتيجة الجهل، فقد يتناول المريض أدوية مضادات الالتهاب بشكل عشوائي، مما يؤدي إلى حالات تسمم وإحداث ثقب في المعدة".

وذكر الطبيب عبد الله أن تعليمات نقابة الصيادلة "قد تأتي بخصوص سحب طبخة من الدواء تحمل رقما معينا لشركة معينة، فيجمع من السوق بسبب سوء التصنيع، وهذه التعليمات لا يمكن أن تصل إلى الصيدليات غير المرخصة"، مشيرا إلى أن مديرية الصحة أصدرت قائمة لعشرين دواء أجنبيا يحظر بيعها في الصيدليات.

وكان تنظيم الدولة الإسلامية قد أصدر تعميما في المناطق التي يسيطر عليها شرق الحسكة يمنع فيها فتح الصيدليات التي تدار من قبل غير المختصين.

غير أن ياسين -صاحب دكان للمواد الغذائية والمنظفات- أضاف الأدوية إلى السلع، ويعزو عدم تطبيقه التعميم الذي أصدره التنظيم إلى كون المنطقة جبهة قتال مع قوات النظام، إلى جانب مغادرة المختصين.

وقال ياسين -الذي لا يحمل سوى شهادة ابتدائية- "أنا لست صيدليا، ولا أبيع إلا الأدوية التي يعرف الناس استخدامها كحبوب الالتهابات، والرشح، ووجع الرأس، ونادرا ما أبيع أدوية غير سورية"، مضيفا أن أربعة أطباء في تخصصات مختلفة هاجروا من بلدة تل براك إلى السويد.

ويقر عمر -الممرض في بلدة أبور أسين شمال الحسكة الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية ـ بأنه لا يملك الحق في فتح صيدلية، ولكنه يرى ضرورة لوجود الصيدليات غير المرخصة بسبب الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد، حسب قوله.

المصدر : الجزيرة