يؤكد الباحث العراقي نبيل الحيدري أن الصراع بين الشيعة والسنة سياسي لا طائفي، وأن إيران الخميني أذكت هذا الصراع، وأن مدرسة آل البيت السليمة ترفض الغلو والتكفير والبدع كضرب الرؤوس بالسكاكين التي كشف ببحثه أنها مستوردة من المسيحية.

محمد أمين-لندن

فيما تجتاح المنطقة العربية موجة من الاقتتال الطائفي، وتتصاعد التحذيرات من صراع واقتتال "سني شيعي"، يصر الباحث نبيل الحيدري المتخصص في الفكر الشيعي على أن لا مشكلة بين الشيعة والسنة، ولطالما تعايشوا عقودا من الزمن.

ويرجع الباحث -في حوار مع الجزيرة نت- الصراع إلى بعد حضاري آخر وهو الصراع بين الفرس والعرب.

ويؤصل الحيدري في كتابه "التشيع العربي والتشيع الفارسي" -الذي قضى عشر سنوات من عمره في تأليفه- لما يعرف "بالتشيع العربي والتشيع الفارسي"، محملا ما أسماه "المشروع الفارسي الصفوي" مسؤولية افتعال الصراع بين الشيعة العرب والسنة العرب، واستعمال التشيع ذراعا لتحقيق مشروع الدولة الفارسية الصفوية وتصفية حسابها مع العرب والمسلمين.

وأكد أن الصراع ليس مذهبيا بل هو سياسي، مستشهدا بموقف جده "المرجع الأعلى للشيعة العرب" مهدي الحيدري الذي كان مؤمنا بأن لا فرق بين الشيعة والسنة، وأنه كان يفضل البقاء تحت الحكم العثماني السني بدلا من الارتماء في حضن الاحتلال الإنجليزي في عشرينيات القرن الماضي.

الحيدري درّس في الجامعات الإيرانية وفي قم في الثمانينات، ثم غادرها  لينكب بحثا في أكثر من ألف ومئتين مصدر من الكتب الشيعية الأصلية الأولية، وانتهى إلى أن مدرسة آل البيت السليمة ترفض الغلو والتكفير والطقوس والبدع كضرب الرؤوس بالسكانين التي كشف في بحثه أنها مستوردة من المسيحية، ويطرح الكاتب مشروعا إصلاحيا متكاملا للوحدة بين السنة والشيعة الذين يشتركون في  التوحيد والقرآن والنبوة والمبادئ والقيم.

وتاليا نص الحوار:

كيف تبلورت فكرة كتاب "التشيع العربي والتشيع الفارسي"؟

- تعود فكرته للثمانينيات منذ كنت أدرس الطلبة في إيران، واستفزتني بعض الممارسات ضد العرب، ونوعا من العنصرية، فبدأت مراجعات ودراسات لمعرفة إن كان لهذه الممارسات أصل في المذهب الشيعي، فالأمر بدأ على نحو من التساؤلات خاصة مع وجود ثلاثة ملايين سني ليس لهم أي حقوق في إيران.

ماهي أبرز الفروقات بين ما أسميته "التشيع العربي" و"التشيع الفارسي"؟

- الفرس أدخلوا الغلو في الإمامة إلى درجة الألوهية، واعتبر علماؤهم أن الإمام هو أعلى درجة من الرسول صلى الله عليه وسلم،  فكل الصفات التي يتصف بها الله عز وجل كإله، وضعوها فيه، ومن لا يقر بهذا فهو كافر، وبالتالي كفروا الخلفاء الراشدين، على عكس الشيعة العرب، وأوجدوا ما يعرف بـ"لاهوت الإمامة"، وهناك عشرة من أبرز المراجع الشيعية منهم معروف الحسني، ومحمد حسين فضل الله، ومهدي الحيدري لا يكفرون الخلفاء، أما المراجع الفارسية "كالقمي والطوسي والكلمي" فيكفرونهم.

الفرس أدخلوا الغلو في الإمامة، إلى درجة الألوهية، واعتبر علماؤهم أن الإمام هو أعلى درجة من الرسول صلى الله عليه وسلم، فكل الصفات التي يتصف بها الله عز وجل كإله، وضعوها فيه

 تسود طقوس أشهرها ضرب الرؤوس بالسكاكين فتسيل الدماء، هل هذه فعلا من الثوابت بالمذهب الشيعي؟

- ضرب الرؤوس ليس له أصل في التشيع، بل قام بإدخاله الشاه إسماعيل الصفوي الذي حكم الدولة الصفوية عام 1501، وفي زمنه أرسل وزيره للشؤون الحسينية لأوروبا عام 1503، ليستطلع أحوالها ويعود له بأي جديد، فوجد هذا الوزير مسيحيين يضربون رؤوسهم وأجسادهم بالسكاكين تحسرا على المسيح، فاستحسنها الفكرة ونقلها لإسماعيل الصفوي الذي اعتمدها وأدخلها للمذهب.

 في أي عصر بدأ التحوير أو التلفيق؟

- عصر الدولة البويهية خطير جدا، كونه المنبع الأيديولوجي الذي نشأت فيه أولى البدع ومظاهر الغلو الغريبة عن العقيدة الإسلامية متمثلا بتأليف الكتب الحديثية الأربعة: "الكافي للكليني"، و"من لا يحضره الفقيه للصدوق القمي" و"التهذيب، والاستبصار للطوسي". واحتوت هذه الكتب على آلاف من الأحاديث لغُلاة نقلوا أحاديث منسوبة ليست إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو الإمام علي بل نسبت إلى جعفر الصادق أو محمد الباقر، وفيها كراهية للعرب.

 كيف عالج الكتاب ظاهرة عبد الله ابن سبأ؟

- يثبت الكتاب بالتفصيل إجماع المصادر الشيعية الأولية على حقيقة وجوده وغلوه في الإمام علي، فنكرانه لا يصمد أمام حقائق التاريخ وإجماع القدماء لا سيما فقهاء الشيعة، ويشرح الكاتب بوضوح دور ابن سبأ في تحريف الإسلام بما يشبه ما قام به بولس فى تحريف النصرانية.

هل ثمة فرق بين الشيعة العرب والشيعة الفرس بما يتعلق بالمهدي المنتظر؟

الصراع الذي يجري بين السنة والشيعة في العالم العربي ليس مذهبيا أو دينيا، بل صراع سياسي يوظف فيه المذهب، ولا يوجد اختلاف على أصول الدين، فهناك خلافات في الاجتهادات بين الإمام الصادق وغيره من الأئمة

- التشيع الفارسي يدعي أنه يرى المهدي من خلال الولي الفقيه المتصل بالمهدي، والمهدي يعطيه الأوامر للولي، أما التشيع العربي فيؤمن بالمهدي لكنه يعتقد أنه سيأتي في آخر الزمان ولا يدعي الاتصال به بأي شكل من الأشكال.

 ما الفرق بين إيران الشاه وإيران أية الله الخميني؟

- الشاه كان لا يدعي ولاية الفقيه ولا الدين، كان شيعيا علمانيا يتوارث الملك، أما الخميني فوظف الدين في إحكام سلطته وقبضته، وتحولت إيران في عصره لدولة أكثر شدة ودموية، واستغلالا للتشيع، أما السياسات الإيرانية سواء في عصر الشاه أو الخميني فهي واحدة براغماتية تستغل الشعارات لتحقيق المصالح، فهي أولا وأخيرا سياسة فارسية.

 لكن البعض يعتقد أن الصراع مذهبي بين السنة والشيعة وليس بين حضارتين تتصارعان منذ زمن؟

- الصراع الذي يجري بين السنة والشيعة في العالم العربي ليس مذهبيا أو دينيا، بل صراع سياسي يوظف فيه المذهب، ولا يوجد اختلاف على أصول الدين، فهناك خلافات في الاجتهادات بين الإمام الصادق وغيره من الأئمة، لكن الشيعة العرب كلهم يعتقدون أن عليا تلميذ رسول الله، ويؤمنون أن محمدا رسول الله، والدليل أن شيوخ المذهب الزيدي يصلون خلف السنة، والعكس صحيح.

ومراجع الشيعة العرب كمهدي الحيدري ومحمد حسين فضل الله ومحمد كاشف الغطاء، كلهم يُقرون بهذا الأمر، كما واجه الإمام علي ظاهرتي التطرف ممن غالى فيه لدرجة الألوهية، وما يقابلها من ظاهرة الخوارج الذين خرجوا عليه بالتكفير وطالبوه بالتوبة لقبوله التحكيم في حرب صفين، لكنه رفض الأمرين معا، فبينما طالب بإحراق من يدعي الألوهية، حاور الخوارج.

المصدر : الجزيرة