مرة أخرى وبعد نحو 50 عاما، تجد عضوات الشعبة النسائية في جماعة الإخوان المسلمين أنفسهن أمام مهام ومسؤوليات جديدة، بعد تغييب الآلاف من رجال الجماعة وفي مقدمتهم القيادات إما بالسجن أو التشريد، وهو ما بات يملي تحديات حركية وتنظيمية وتربوية.


في البيت كما في الشوارع، لا تزال نساء في شتى أرجاء مصر ترعى جماعة الإخوان المسلمين التي تسعى السلطات جاهدة كي تسحقها، فهن يعلمن الأطفال قيم الجماعة وينظمن الاحتجاجات ويحافظن على شبكاتها، ويلعبن دورا أكثر وضوحا في ميدان السياسة.

وشعبة الأخوات ليست بدعا في جماعة الإخوان، فقد أنشأت الجماعة التي أسسها حسن البنا عام 1928 شعبة للنساء في ثلاثينيات القرن الماضي. وبعد مرور ثمانية عقود دفعت الجماعة بهن إلى غمار الانتخابات البرلمانية، وشغلت إحداهن وهي باكينام الشرقاوي منصب مستشارة للرئيس المعزول محمد مرسي خلال العام المضطرب الذي قضاه في السلطة.
 
ولم تنل أي من الأخوات المسلمات قط عضوية أعلى مكاتب الجماعة وهو مكتب الإرشاد. ورغم مساهمتهن في الانتخابات الداخلية للجماعة على المستوى المحلي، فإنهن ممنوعات من خوض انتخابات مجلس شورى الجماعة -وهو الهيئة المنوط بها وضع السياسات- أو الإدلاء بأصواتهن فيها.
وقفة تضامن مع النساء المعتقلات بمصر
(الجزيرة-أرشيف)

بوادر تغيير
تقول أخوات مسلمات متنفذات في الجماعة إن ذلك قد يتغير لأن قيادات الجماعة -التي انفصلت عن قاعدتها الجماهيرية- تعول بشكل متزايد على النسوة والشباب بوصفهم همزة الوصل لها مع المجتمع.

ومنذ أن أطاح الجيش بمرسي -أول رئيس مدني منتخب- وانقلب عليه يوم 3 يوليو/تموز 2013، شنت السلطات حملة غير مسبوقة ضد جماعة الإخوان وأعلنتها جماعة "إرهابية محظورة" واعتقلت آلافا من أعضائها.
 
ومع وجود معظم قيادات الجماعة إما في السجون وإما في المنفى، تصدرت نساء -عشن طويلا في كنف هذه الجماعة- طليعة المشهد لخوض معركتها من أجل البقاء، خاصة أنهن دأبن منذ زمن طويل على القيام بدور مساعد في مجالات التعليم والعمل الاجتماعي.

وكانت تجربة الأشهر السبعة عشر الأخيرة مُرة بالنسبة "للأخوات المسلمات"، لكنهن رغم ذلك يرين أنها أعطتهن جرعة جديدة من الثقة. وقالت هبة -وهي إحدى الأخوات المسلمات في مدينة الإسكندرية- إن "التجربة أثبتت أني أخوض وأخطئ وأصحح خطئي، وذلك أفضل من الوقوف بعيدا للفرجة، وبالتأكيد لن يكون هناك تراجع".

إحدى أخوات الإسكندرية:
غاب معظم الرجال، لذا بدون النساء لن توجد احتجاجات.. إنها الحقيقة، ولقد اعترفوا بها عدة مرات.. يقولون إنه بدون وجودنا لن يجدي الأمر

دور النساء
وقالت أخت أخرى في الإسكندرية "غاب معظم الرجال، لذا بدون النساء لن توجد احتجاجات.. إنها الحقيقة، ولقد اعترفوا بها عدة مرات.. يقولون إنه بدون وجودنا فإن الأمر لن يجدي".

وتقول الأخوات إن دورهن يتطور بالفعل. وتنتخب المرأة الآن لتقود الأسر النسائية، وهي مجموعات محلية تمثل لبنات البناء لدى الجماعة. وفي السابق كانت زوجات زعماء الأسر يعملن كنائبات غير رسميات بخصوص المرأة.
 
وفي بعض المناطق تنتخب نساء لقيادة شعب المرأة، وكل شعبة منها مسؤولة عن عشرات الأسر، رغم أن المرأة ما زالت تركز على تعليم الفتيات كيف يصبحن زوجات وأمهات صالحات وسفيرات للإخوان المسلمين في المجتمع.

وتضاءلت الاحتجاجات مع تزايد حملات الاعتقال، إلا أن النسوة يتصدرن المشهد الآن. وقالت وفاء حفني -وهي حفيدة حسن البنا- إنه "تجري في ثلاث مناطق بالقاهرة تجربة كي تضطلع النسوة بتنظيم الاحتجاجات من الألف إلى الياء".

ضرورات تنظيمية
وأتاحت ضرورة التنظيم على المستوى المحلي -بغية تجنب الاعتقال- مستوى غير مسبوق من اللامركزية في الهيكل التنظيمي للجماعة، مما منح نساءها وشبابها قدرا أكبر من حرية الحركة. وسبق أن قامت النساء بدور أساسي في إبقاء جماعة الإخوان المسلمين على قيد الحياة أثناء جولة سابقة من القمع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لكنهن تراجعن إلى الظل بعدما خفت حدة الضغط.

ويرى الخبير بالجماعات الإسلامية في جامعة "جون هوبكنز" الأميركية خليل العناني أن الإخوان المسلمين في فترة انتقالية، وقال "إن البروز المتنامي للمرأة مسألة مهمة، لكن ليس من الواضح إن كان يمكن أن يحدث أي تطور في التسلسل الهرمي داخل الجماعة، ودور المرأة كان مدفوعا بأزمة وليس بتغيير فكري، لكن يمكن لذلك أن يؤدي إلى تغييرات في المستقبل".

وما زالت الانقسامات قوية بشأن إمكانية أن تقود المرأة الرجال أو أن تتولى منصب المرشد العام نفسه. وحتى النسوة اللواتي يردن الإصلاح يعتبرن أن دورهن كزوجات وأمهات له الأولوية. وقالت وفاء حفني -وهي أستاذة لغة إنجليزية ومسؤولة شعبة- "يوجد أمران تصر عليهما المرأة على مستوى الجماعة، وهما أن تمثل بقوة في الشورى ومكتب الإرشاد".
 
أما شيماء زوجة المحامي الحقوقي خلف بيومي الذي اعتقل في سبتمبر/أيلول 2013، فتحدثت وهي تجلس في مكتب زوجها بالإسكندرية عن كيفية تغير حياتها منذ إلقاء القبض على زوجها، ثم اعتقال ابنها (16 عاما) وشقيقها بعد ذلك بخمسة أشهر.

ودرست شيماء القانون لكنها تخلت عن ممارسة المحاماة لترعى أسرتها، وتتولى الآن عبء متابعة قضايا زوجها، وهي العائل الرئيسي للأسرة وترعى ابنيها الأصغر، وتتولى القيام بزيارات للسجن وتقديم المساعدة القانونية.

وقالت إن "المرأة فقدت دورها كامرأة.. ونساء التيار الإسلامي كن غالبا لا يفكرن في العمل.. كانت افكارهن في تربية الأولاد أو البيت أو العمل الدعوي"، مضيفة أنها مثال لأخوات كثيرات.

المصدر : رويترز