انزلقت خلال عام 2014 ليبيا إلى صراع أهلي على خلفية الخلاف بشأن ولاية المجلس الوطني الانتقالي وصلاحياته. وفي وقت ظهر فيه توازن عسكري بين قوات "فجر ليبيا" ونظيرتها "الكرامة"، لم تفلح الوساطات إلا بجمع نواب محسوبين على الطرفين في غدامس.

منذر القروي

منذ مطلع عام 2014، بدأت الأزمة بليبيا تأخذ طابعا تصاعديا لتضع البلد بالتدريج على شفا صراع أهلي. بدأ التصعيد باحتجاجات تطالب برحيل المؤتمر الوطني العام (البرلمان) بحجة انتهاء ولايته وفشله في معالجة الأزمة، ولم يمنع رحيل المؤتمر وانتخاب برلمان من تعمق الانقسام.

ففي ظل هشاشة أمنية بالغة، رافقها إخفاق في بناء مؤسسات أمنية وعسكرية حقيقية بعد عامين من إطاحة الثورة بالعقيد الراحل معمر القذافي، برز الاحتقان السياسي في الجدل الذي أثير حول شرعية استمرار المؤتمر الوطني.

أثمر الضغط الذي شكلته المظاهرات ومواقف قوى سياسية ممثلة في المؤتمر، من بينها "تحالف القوى الوطنية" بقيادة محمود جبريل رئيس المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي؛ فوعد رئيسه نوري أبو سهمين في فبراير/شباط بانتخابات لبرلمان جديد، تم لاحقا إقرار موعدها في يونيو/حزيران على أمل إخراج البلاد من أزمتيها السياسية والأمنية.

علي زيدان
وقد كان لهذه الأزمة تداعياتها المباشرة، إذ عصفت برئيس الوزراء علي زيدان الذي أقاله المؤتمر الوطني في مارس/آذار. وكان سبب الإقالة فشل حكومته في وقف ناقلة كورية شمالية هرّبت نفطا من أحد موانئ خليج سرت الخاضعة لسيطرة حرس المنشآت النفطية الموالين للفدرالي إبراهيم الجضران.

ولم تكن إقالة علي زيدان إلا بداية النهاية للاحتقان السياسي، فخليفتاه أحمد معيتيق وعبد الله الثني كانا بدورهما موضع تجاذب، ولم يستطيعا خلال الأشهر القليلة التي سبقت انتخابات يونيو/حزيران تخليص البلاد من حالة الاضطراب الشديد.

جاءت إذن انتخابات يونيو/حزيران، وكان مؤملا أن تخرج ليبيا من الدوامة لكنها عمليا مهدت بدورها لأزمة أكثر عمقا.

فقبلها بأسابيع -أي في مايو/أيار- أطلق اللواء المتقاعد خليفة حفتر -الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف بتهمة محاولة الانقلاب على سلطة المؤتمر الوطني- حملة عسكرية تحت اسم "عملية الكرامة"، بحجة تطهير بنغازي من "الإرهابيين" الذين يقول إنهم مسؤولون عن عمليات الاغتيال التي كانت تستهدف ضباط الجيش وعناصر الشرطة في المدينة.

تجربة مصر
أثارت عملية حفتر والمهل التي أعطاها قبل ذلك للمؤتمر الوطني بإنهاء أعماله شعورا لدى التشكيلات المحسوبة على ثورة فبراير/شباط 2011، بأنه يستفيد من الوضع الناتج عن الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في مصر للانقلاب على الثورة.

مقاتل من قوات فجر ليبيا خلال معارك ككلة (الفرنسية)

ومع اتضاح صورة التحالف بين حفتر وكتائب الصواعق والقعقاع المنتشرة في مطار طرابلس وحوله، أطلقت تشكيلات الثوار منتصف يوليو/تموز عملية "فجر ليبيا"، والتي انتهت بطرد الكتائب المتحالفة مع حفتر من طرابلس، ولاحقا من مواقع أخرى في محيط المدينة نحو الجبل الغربي (جبل نفوسة).

وانتهت المعركة بهذه الصورة رغم تعرض مواقع لقوات فجر ليبيا في محيط طرابلس لضربات أكدت مصادر أميركية أن مصر والإمارات نفذتاها.

كان لعمليتي الكرامة وفجر ليبيا أثر واضح في إذكاء الانقسام الذي عمقه أيضا قرار مجلس النواب الجديد الانتقال إلى مدينة طبرق شرقي البلاد، ثم إعلان دعمه لعملية الكرامة.

أدى هذا الوضع إلى تشكيل حكومتين في سبتمبر/أيلول: "حكومة أزمة" في طبرق برئاسة عبد الله الثني، و"حكومة إنقاذ" في طرابلس برئاسة عمر الحاسي. وظل هذا الوضع قائما رغم الحكم الذي أصدرته الدائرة الدستورية في المحكمة الليبية العليا في نوفمبر/تشرين الثاني ببطلان ما ترتب عن انتخابات يونيو/حزيران، وبالتالي حل مجلس النواب.

ووسط هذا الانقسام، شنت قوات اللواء حفتر في منتصف أكتوبر/تشرين الأول حملة عسكرية في بنغازي ضد مجلس شورى ثوار المدينة في محاولة للسيطرة عليها، وأسفر القتال خلال أسابيع عن نحو خمسمائة قتيل.

وفي الغرب، تمكنت الكتائب المتحالفة مع حفتر من السيطرة على مدينة ككلة في الجبل الغربي بمساعدة الطيران الحربي الذي استهدف مواقع في طرابلس وقرب الحدود التونسية.

الثني ترأس حكومة منبثقة عن برلمان طبرق (أسوشيتد برس)

ودفعت هذه التطورات قوات فجر ليبيا -المدعومة بوحدات تابعة لرئاسة الأركان في طرابلس- إلى الرد بعملية عسكرية في المناطق الغربية، ولاحقا في ديسمبر/كانون الأول بعملية "الشروق" للسيطرة على الموانئ النفطية شرقي ليبيا.

الوساطات الدولية
في ظل هذا الوضع المضطرب الذي بات مصدر تهديد للأمن الإقليمي والدولي، حسبما رأت دول جوار ليبيا والغرب، حاولت الأمم المتحدة ودول الجوار الدفع نحو حل سياسي للأزمة، لكن جهودها لم تفض إلى نتائج.

ونجحت بعثة الأمم المتحدة نهاية سبتمبر/أيلول في عقد لقاء تمهيدي بمدينة غدامس (جنوب غرب طرابلس) بين نواب قاطعوا مجلس النواب (المنحل) وآخرون شاركوا في أعماله، وأُعلن عن جولة ثانية من الحوار في مدينة أوجلة جنوب بنغازي منتصف ديسمبر/كانون الأول.

كما عقدت اجتماعات لدول جوار ليبيا كان أحدثها في الخرطوم، وصدرت عنها دعوات لحل سياسي، بينما لم يُكتب النجاح لمبادرة عرضتها الجزائر لجمع فرقاء الصراع في ليبيا على أرضها.

في المقابل، تزايدت التهديدات الدولية بفرض عقوبات على الأطراف الليبية الضالعة في الصراع، في حين وضع مجلس الأمن جماعة "أنصار الشريعة" في بنغازي على لائحة "المنظمات الإرهابية".

المصدر : الجزيرة