شددت الحكومة البريطانية على إدانتها لعمليات التعذيب الأميركية لمعتقلي غوانتانامو وغيرهم، وأكدت فتحها التحقيق في مشاركة ضباط أمن بريطانيين في وقائع التعذيب، في حين اعتبر كتاب بريطانيون أن عمليات التعذيب هي التي تخلق الإرهاب وردات العنف التي استهدفت بريطانيا وغيرها.

محمد أمين-لندن

على مدار أيام متتالية كان تقرير وكالة المخابرات المركزية الأميركية الأخير مدار بحث وتغطية وتحليل واسع من قبل الإعلام البريطاني، خاصة مع الكشف أن التحذيرات غير الصحيحة التي وصلت حكومة توني بلير وقتها باحتمال تعرض مطار هيثرو وحي المال في "كانري وورف" لهجمات، هي معلومات كاذبة مصدرها المعتقل خالد شيخ محمد، وأدلى بها الرجل تحت التعذيب للتخلص المؤقت من آلامه.

وأحدث ما في هذه القضية تأكيد رئاسة الحكومة مناقشة بريطانيا التقرير مع المخابرات المركزية قبل نشره، لكن مع الإصرار على عدم وجود أي تعديل في النتائج التي نشرت، مع تأكيد رئيس الحكومة أن التعذيب أمر خاطئ.

من جهته قال نيك كليج نائب رئيس الوزراء إنه يؤيد فتح تحقيق فيما إذا كانت المخابرات البريطانية قد شاركت في وقائع تعذيب قامت بها وكالة المخابرات الأميركية، رغم تأكده من أن ضباط المخابرات البريطانية لم يشاركوا في التعذيب، لكن المزاعم بأنهم كانوا على علم بها يجب أن تفحص بعناية، بحسب المسؤول البريطاني.

وزارة الدفاع البريطانية أكدت عدم مشاركتها في عمليات التعذيب (الجزيرة)

رسائل سامة
من جهتها وصفت صحيفة ذي غارديان البريطانية تقرير الكونغرس الأميركي حول التعذيب بأنه "وثيقة عار وخزي لأميركا"، لكنها في ذات الوقت عبرت عن احترامها للولايات المتحدة والكونغرس لجرأته في نشر هذا التقرير.

وأوضحت الصحيفة أن هناك قصورا ينبغي على البرلمان البريطاني تجاوزه، في إشارة -ربما- إلى التأجيل المستمر لنشر كامل تفاصيل التقرير الحكومي حول حرب "بلير" على العراق عام 2003.

وفي مقال له في الصحيفة ذاتها، كتب شيماس ميلن أنه "ينبغي أن يكون واضحاً أثر الكشف عن أهوال التعذيب الذي تمارسه السي.آي.أي، وتنامي القبضة العسكرية الغربية، وتلاشي فرص التحول الديمقراطي على العالم العربي والإسلامي والدول الغربية كبريطانيا".

وأضاف الكاتب أنه مرة تلو أخرى كان الغزو والاحتلال وحملات القصف التي قامت بها أميركا وغيرها مبررا لمن يشنون الهجمات على الغرب، فممارسة السي.آي.أي للتعذيب وسحق الديمقراطية كلها توجه "رسائل سامة".

وفي حديثه للجزيرة نت قال ميلن إن التحقيقات ما زالت جارية حول علاقة بريطانيا بعمليات التعذيب، وبيّن أن تقرير السي.آي.أي يشكل خطرا على بريطانيا، محذرا من أن الدول المتورطة بالتعاون في قضايا التعذيب تصبح عرضة لانتقام المتشددين.

كما أوضح أن ورود اسميْ رئيس الوزراء السابق توني بلير ووزير خارجيته جاك سترو في هذا التوقيت بالذات، له أثر بالغ على الانتخابات في مايو/أيار القادم.

وعبر ميلن عن وجهة نظره بأن عودة الدكتاتورية المدعومة غربياً في أهم دولة عربية وهي مصر، ساعد في استعادة الظروف التي قادت إلى الحرب على الإرهاب من جديد، وأن "كل ما فعله الرئيس الأميركي باراك أوباما هو أنه استبدل برنامج الاختطاف والتعذيب الذي نفذته السي.آي.أي في عهد بوش بعمليات خاصة موسعة، وعمليات قتل تقوم بها الوكالة باستخدام طائرات بلا طيار".

معسكر دلتا في غوانتانامو
حيث وقعت عمليات التعذيب 
(الأوروبية)

تنديد إعلامي
وندد الإعلام البريطاني المرئي والمسموع بممارسات التعذيب، واعتبر أن الحرب على الإرهاب مشروعة وضرورية، إلا أن أساليب التعذيب هذه تبقى غير مقبولة وغير أخلاقية.

وتساءل الصحفي بيتر فوستر عن المعلومات التي يعرفها بلير وسترو عن عمليات التعذيب.

ونقل فوستر في مقال بصحيفة ديلي تلغراف عن مصدر بوكالة المخابرات الأميركية أن بلير وسترو الذي عمل وزيرا للخارجية بين عامي 2001 و2006، كانا يعلمان تفاصيل برنامج سري تشرف عليه السي.آي.أي في هذا المجال، إلا أن الرجلين أنكرا معرفتهما بأي شيء عن عمليات الترحيل والتعذيب.

وكان رئيس لجنة الأمن والمخابرات بمجلس العموم قال عام 2011 إن لجنة التحقيق التي يرأسها لم تعثر على أي وثائق تشير إلى ترحيل بريطانيا لعناصر يشتبه في انتمائها للقاعدة، لكنه بيّن أن أجهزة الأمن البريطانية تعاونت بشكل وثيق مع أجهزة الأمن الليبية إبان عهد معمر القذافي وعقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 خشية تعرض بريطانيا لهجمات مماثلة.

المصدر : الجزيرة